أبي طالب المكي

299

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

فكان متشدقا بليغا في علم الرأي والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم الإيمان كان إلى النفاق أقرب ، ومن حقيقة الإيمان أبعد . وقد كان أبو سليمان الداراني يقول : لا ينبغي لمن ألهم شيئا من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه . وقال بعض العارفين : ما قبلت خاطرا من قلبي حتى يقيم لي شاهدي عدل من كتاب وسنة وكان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنّة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي من الظاهر ، والباطن والصبر على ذلك حتى الممات . وقد كانوا يعيبون على من تكلم بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بغير ذكر الله تعالى وكانوا يخرجون المتحدثين من المساجد فلا يبقى فيه إلا مصلّ أو ذاكر لله تعالى . وقد كان السلف يستعظمون يسير الحديث في الدين ودقائق البدع في الإسلام لعظم الإيمان والسنّة في قلوبهم ولمعرفتهم بحقيقة المعروف . قال عبد الله بن مغفل لابنه وقد سمعه يقرأ خلف الإمام : يا بني إياك والحدث إياك والحدث . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه يسجع في كلامه : هذا الذي يبغضك إليّ لا قضيت حاجتك أبدا . وكان قد جاءه يسأله حاجة له . وقال عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ما أتي امرؤ شرا من طلاقة في لسانه . وقال صلَّى الله عليه وسلَّم لابن رواحة حين سجع سمعه فوالى بين ثلاث وقال : إياك والسجع يا ابن رواحة . فكان السجع ما زاد على كلمتين . وكذلك قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للرجل الذي أمره بدية الجنين . لما قال كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل فمثل هذا يطل . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أسجع كسجع الأعراب . وروينا أن مروان لما أحدث المنبر في صلاة العيد عند المصلَّى قام إليه أبو سعيد الخدري فقال : يا مروان ما هذه البدعة فقال : إنها ليست بدعة هي خير مما تعلم . إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت . قال أبو سعيد رضي الله عنه : ولا تأتون بخير مما أعلم أبدا والله لا صليت وراءك اليوم . فانصرف ولم يصلّ معه صلاة العيد . فالخطبة على منبر في صلاة العيد وخطبة الاستسقاء بدعة . وكان عليه السلام يخطب فيهما على الأرض متوكئا على قوس أو عصا . وروي أن عمر رضي الله عنه أخّر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة . وفعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أيضا فأعتق رقبة استنانا بعمر وهو جده لأمه . وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخّر صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق