يوسف بن تغري بردي الأتابكي

209

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

إمرة طبلخاناه ثم نقله إلى تقدمة ألف بالديار المصرية ولم يكن قبلها من جملة مماليك السلطان ولا من أولاد الملوك فإن والده سودون الفقيه مات بعد سنة ثلاثين جنديا وكذا فعل مع فارس دواداره أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف ونيابة الإسكندرية ومع جماعة أخر قد تقدم ذكرهم فهذا مما يدل على قوة جنانه وإقدامه وشجاعته فإنه أنشأ هذا كله في مدة سلطنته وهي ثلاثة أشهر وأربعة أيام وأنا أقول إن مدة سلطنته كانت ثمانية عشر يوما وهي مدة إقامته بمصر وباقي ذلك مضى في سفره ومرض موته وكان يحب مجالسة العلماء والفقهاء وأرباب الفضائل من كل فن وله اطلاع جيد ونظر في فروع مذهبه ويسأل في مجالسه الأسئلة المفحمة المشكلة مع الإنصاف والتواضع ولين الجانب مع جلسائه وأعوانه وخدمه وكان يحب إنشاد الشعر بين يديه لا سيما الشعر الذي باللغة التركية فإنه كان حافظا له ولنظامه ويميل إلى الصوت الحسن ولسماع الوتر مع عفته عن سائر المنكرات قديما وحديثا من المشارب وأما الفروج فإنه كان يرمى بمحبة الشباب على ما قيل والله أعلم بحاله ومع قصر مدته انتفع بسلطنته سائر أصحابه وحواشيه ومماليكه فإن أول ما طالت يده رقاهم وأنعم عليهم بالأموال والإقطاعات والوظائف والرواتب قيل إنه أعطى الشيخ شمس الدين محمدا الحنفي في دفعة واحدة عشرة آلاف دينار وأوقف على زاويته إقطاعا هائلا وتنوعت عطاياه لأصحابه على أنواع كثيرة وأحبه غالب الناس لبشاشته وكرمه وأظنه لو طالت مدته أظهر في أيامه محاسن ودام ملكه سنين كثيرة لكثرة عطائه فإنه يقال في الأمثال وهو من الجناس الملفق : المتقارب إذا ملك لم يكن ذاهبة * فدعه فدولته ذاهبة