أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )
423
البلدان
ومن عجائبها وهو أحد عجائب الدنيا ، صورة شبديز ( 1 ) . وهو في قرية يقال لها جانان ومصوّره فنطوس بن سنمار . وسنمار هو الذي [ 96 ب ] بنى الخورنق بالكوفة . وكان سبب صورته في هذه القرية أنه كان أزكى الدواب وأعظمها خلقا وأظهرها خلقا وأصبرها على طول الركض . وكان ملك الهند أهداه إلى برويز الملك . فكان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ولجامه ولا ينخر ولا يزبد . وكانت استدارة حافره ستة أشباره . [ فاتفق أن شبديز اشتكى وزادت شكواه ، وعرف أبرويز ذلك وقال : لئن أخبرني أحد بموته لأقتلنه . فلمّا مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدا من أخباره بموته فيقتله . فجاء إلى البهلبند مغنيه - ولم يكن فيما تقدم من الأزمان ولا ما تأخر أحذق منه بالضرب بالعود والغناء - ، قالوا : كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله : فرسه شبديز وسريته شيرين ومغنيه بهلبند . وقال : اعلم أن شبديز قد نفق ومات . وقد عرفت ما أوعد به الملك من أخبره بموته ، فاحتل لي حيلة ولك كذا وكذا . فوعده الحيلة . فلما حضر بين يدي الملك غنّاه غناء ورّى فيه عن القصة إلى أن فطن الملك وقال له : ويحك ! مات شبديز ؟ فقال : الملك يقوله . فقال له : زه . ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك . وجزع عليه جزعا عظيما ] ( 2 ) . فأمر قنطوس بن سنمار بتصويره . فلما فرغ منه أعلم برويز بذلك . فجاء حتى وقف عليه ونظر إليه واستعبر باكيا عند تأمله إياه وقال : لشدّ ما نعى هذا التمثال إلينا أنفسنا وذكَّرنا ما نصير إليه من فساد حالنا . ولئن كان في الظاهر أمر من أمور الدنيا يخلو من أمور الآخرة ، إن فيه لدليلا على الإقرار بموت جسدنا وانهدام بدننا وطموس صورتنا ودرس أثرنا
--> ( 1 ) شبديز هو فرس الملك الفارسي كسرى أبرويز . وهو منحوت في جبل قرب الطريق الواصل بين سنندج وكرمانشاه بإيران . وفيه نحت كسرى أبرويز وهو يمتطي جواده المسمى شبديز . إضافة إلى منحوتات أخرى تشكل أهمية كبيرة في معرفة تاريخ الساسانيين . ( 2 ) ما بين العضادتين نقلناه عن ياقوت ( شبداز ) الذي قال إنه نقل هذه المادة عن ابن الفقيه . وهو غير موجود لا في مختصر البلدان ولا في النسخة الأصل ، وأوردناه لأن المعنى لا يتمّ إلَّا به .