أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )

399

البلدان

شدة حرّها وكثرة هوامها وحيّاتها وجراراتها بأمر فضيع ( 1 ) . ثم قال : وكيف لا يكون كذلك وطعام أهلها الأرزّ وهم يخبزون في كل يوم . فيقدّر أنه يسجر بها في كل يوم خمسون ألف تنور . فما ظنك ببلد إذا اجتمع فيه حرّ الهواء وبخار هذه النيران ؟ وحلف باللَّه عزّ وجلّ أنه عزم مرارا أن يغرق نفسه في المسرقان لما كان يلقى من الكرب وشدة الحرّ والسموم . ويقول أهل الأهواز إن جبلهم إنما هو من غثاء الطوفان تحجّر . وهو حجر ينبت ويزيد في كل وقت . قالوا : ولنا السكَّر وأنواع التمر . وهم أحذق الأمة في إيجاد أنواع السكر . ولهم الخزّ السوسي والديباج التستري . وكل طيب يحمل إلى الأهواز فإنه يستحيل وتذهب رائحته ويبطل حتى لا ينتفع منه بكثير شيء . والأهواز افتتحها أبو موسى الأشعري في ولاية عمر بن الخطاب رضي [ الله ] عنهما . وآخر مدينة افتتحت من الأهواز السوس . فلما افتتحها وأخذ المدينة وسبى الذرية وظفر بالخزائن . فبينا هو يحصي ما فيها كان في قلعتها نحو من ثلاثمائة خزانة . فرأى خزانة منها وعليها ستر عليه الدهن . فأمر خزّان القلعة أن يفتحوه . فجعلوا يبكون ويحلفون أنه ليس فيه شيء من الذهب والفضة . فجعل أبو موسى لا يزيده ذلك إلَّا حرصا على فتحه ، حتى همّ بكسر الباب . فلما رأى الخزّان ذلك قالوا له نحن نصدقك عما فيه . قال : قولوا . قالوا : فيه جسد دانيال . قال : وكيف علمتم ذلك ؟ قالوا : أصابنا القحط سبع سنين متوالية حتى أشرفنا على الهلاك . وكان هذا الجسد عندنا وقوم من النصارى يستسقون به إذا أجدبوا . فيسقون ويخصبون . فأتيناهم وطلبنا إليهم أن يعيروناه فأبوا علينا فرهناهم خمسين أهل بيت منا على أن نستسقي به في عامنا ذلك ونرده . فدفعوه إلينا . فلما استسقينا به سقينا وأخصبنا فتعلقنا به وحبسناه عن أصحابه ورغبنا فيه فهو عندنا نستسقي به في الجدب . فأمر أبو موسى بفتح الباب . فإذا في البيت سرير عليه رجل ميت واضع

--> ( 1 ) في الأصل : قطيع .