أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )

264

البلدان

يقال لها واسط القصب فبات بها واستطاب ليلها واستعذب أنهارها واستمرأ طعامها وشرابها فقال : كم بين هذا الموضع والكوفة ؟ فقيل : أربعون فرسخا . فقال : كم منها إلى المدائن ؟ قال : أربعون . قال : فكم إلى الأهواز ؟ قال : أربعون . فقال : هذا موضع متوسط . وكتب إلى الحجاج بالخبر ويمدح له الموضع . فكتب إليه : اشتر لي فيه موضعا أبني به مدينة . وكان موضع واسط لرجل من الدهاقين يقال له داوردان . فساومه بالموضع فقال له الدهقان : ما يصلح للأمير ؟ قال : ولم ؟ قال أخبرك عنه بثلاث خصال ، تخبره بها ثم الأمر إليه . قال : وما هي ؟ قال : بلاد سبخة والبناء لا يثبت فيها ، وهي شديدة الحر والسموم ، وإن الطائر ليطير في الجو فيسقط لشدة الحرّ ميتا ، وهي بلاد أعمار أهلها قليلة . فكتب بذلك إلى الحجاج فكتب إليه : هذا رجل يكره مجاورتنا فأعلمه أنّا سنحفر بها الأنهار ، ونكثر فيها من البناء والغرس والزرع حتى تغدوا وتطيب . وأما ما ذكر أنها سبخة وأن البناء لا يثبت فيها فسنحكمه ثم نرحل عنه فيصير لغيرنا . وأما قلَّة أعمار أهلها فهذا شيء إلى الله عزّ وجلّ لا إلينا . وأعلمه أنّا نحسن مجاورته ونقضي زمامه بإحساننا إليه . قال : فابتاع الموضع من الدهقان وابتدأ في البناء سنة ثلاث وثمانين واستتمه في سنة ست وثمانين ومات في سنة خمس وتسعين . ولما فرغ منه وسكنه أعجب به إعجابا شديدا . فبينا هو ذات يوم في مجلسه [ 22 ب ] إذ أتاه بعض خدمه فقال له : إن فلانة - جارية من جواريه ، كان مائلا إليها - أصابها لمم ( 1 ) . فغمّه ذلك ووجه إلى الكوفة في إشخاص عبد الله بن هلال ( 2 ) الذي كان يقال له صديق إبليس . فلما قدم عليه عرّفه الخبر فقال له أنا أحلّ [ السحر ] عنها . قال : افعل . فلما زال ما كان بها . قال له الحجاج : ويحك إني

--> ( 1 ) لمم ولمة : مس من الجن ( أساس ) . ( 2 ) أشهر السحرة في الفولكلور العربي . كان معاصرا للحجاج الثقفي زعموا ( أنه صديق إبليس وختنه وأنهم كانوا لا يشكَّون أن إبليس جدّه من قبل أمهاته ) ( الحيوان للجاحظ 1 : 190 ومواضع أخرى منه ) وابن النديم 371 .