أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )

228

البلدان

أربعة فراسخ له خليج يجري فيه الماء إلى أجمة قصب . فأعجب ذلك عمر فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث بن كلدة . وأبو بكرة وزياد . فلما خرجوا قالت لهم أختهم : احملوني معكم . فحملوها . قال : فلما بصر بنا الديادبة ( 1 ) خرجوا هرّابا وجئنا فنزلنا القصر . فقال عتبة : ارتادوا لنا شيئا نأكله . قال : فدخلنا الأجمة فإذا زنبيلان في أحدهما تمر وفي الآخر أرز بقشره . فجبذناهما حتى أدنيناهما من القصر وأخرجنا ما فيهما . فقال عتبة هذا سمّ أعدّه لكم العدو - يعني الأرز - فلا تقربنه . فأخرجنا التمر وجعلنا نأكل منه . فإنّا لكذلك إذا نحن بفرس قد قطع . قيادة فأتى ذلك الأرز يأكل منه . فلقد رأيتنا نسعى إليه بشفارنا نريد ذبحه قبل أن يموت . فقال صاحبه أمسكوا عنه . احرسه الليلة فإن أحسست بموته ذبحته . فلما أصبحنا إذا الفرس يروث لا بأس عليه . فقالت أختي : يا أخي . إني سمعت أبي يقول إن السمّ لا يضر إذا نضج . فأخذت من الأرز تطبخه وجعلت توقد تحته ثم نادت : ألا إنّه يتفصّى عن حبيبة حمراء . ثم قالت : قد جعلت تكون بيضاء . فما زالت تطبخه حتى أنماط قشره فألقيناه في الجفنة . فقال عتبة : اذكروا اسم الله عليه وكلوه . فأكلوا منه فإذا هو طيب . قال [ 5 ب ] : فجعلنا بعد نميط عنه قشره ونطبخه . فلقد رأيتني بعد ذلك وما أجد منه شيئا إلَّا وأنا أعدّ لولدي منه . ثم إنّا التأمنا فبلغنا ستمائة رجل وست نسوة إحداهن أختي . فقلنا ألا نسير إلى الأبلة فإنها مدينة حصينة ، فسرنا إليها ومعنا العنز ( 2 ) وعليها الخرق وسيوفنا . وجعلنا للنساء رايات على قصب وأمرناهنّ أن يثرن التراب وراءنا حين يرون أنّا قد دنونا من المدينة . فلما دنونا منها صففنا أصحابنا . قال : وفيها ديادبتهم وقد أعدوا السفن في دجلة . فخرجوا علينا في الحديد مسومين لا ترى منهم إلَّا الحذق . قال : فوالله ، ما خرج آخرهم حتى [ رجع ] ( 3 ) بعضهم على بعض قتلا . وما قتلوا هم

--> ( 1 ) ديدبان : فارسية معناها الراصد أو المراقب الذي يوضع في المسالح لرصد ما يحدث وإخبار المركز العسكري بذلك . وقد جمعها المؤلف جمع تكسير . ( 2 ) العنز : جمع عنزة وهي أطول من العصا وأقصر من الرمح وفي رأسها زج ( ياقوت : البصرة ) . ( 3 ) زيادة من ياقوت .