الأبشيهي

482

المستطرف في كل فن مستظرف

وقيل : من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة . ومن حب الوطن : ما حكي أن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام أوصى بأن يحمل تابوته إلى مقابر آبائه . فمنع أهل مصر أولياؤه من ذلك فلما بعث موسى عليه الصلاة والسلام وأهلك الله تعالى فرعون لعنه الله حمله موسى إلى مقابر آبائه فقبره بالأرض المقدسة وأوصى الإسكندر رحمه الله تعالى أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلاد الروم حباً لوطنه واعتل سابور ذو الأكتاف وكان أسيراً ببلاد الروم فقالت له بنت الملك وكانت قد عشقته ما تشتهي قال : شربة من ماء دجلة وشمة من تراب إصطخر فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له : هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنفعه من علته وقال الجاحظ : كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به وما أحسن ما قال بعضهم : [ من الطويل ] بلاد ألفناها على كل حالة * وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن ونستعذب الأرض التي لا هواً بها * ولا ماؤها عذب ولكنها وطن ووصف بعضهم بلاد الهند فقال : بحرها در وجبالها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند : أرضها مسك وترابها الزعفران وثمارها الفاكهة وحيطانها الشهد . وقال الحجاج لعامله على أصبهان : قد وليتك على بلدة حجرها الكحل وذبابها النحل وحشيشها الزعفران وكان يقال : البصرة خزانة العرب وقبة الإسلام لانتقال قبائل العرب إليها واتخاذ المسلمين بها وطناً ومركزاً وكان أبو إسحاق الزجاج يقول : بغداد حاضرة الدنيا وما سواها بادية . وأنا أقول مصر كنانة الله في أرضه والسلام . ومما جاء في ذم السفر : قيل لرجل : السفر قطعة من العذاب فقال : بل العذاب قطعة من السفر وقال بعضهم : [ من الرجز ] كل العذاب قطعة من السفر * يا رب فارددنا على خير الحضر وقيل لأعرابي : ما الغبطة قال : الكفاية مع لزوم الأوطان . ومر إياس بن معاوية بمكان فقال : أسمع صوت كلب غريب فقيل له : بم عرفت ذلك قال : بخضوع صوته وشدة نباح غيره وأراد أعرابي السفر فقال لامرأته : [ من الكامل ] عدي السنين لغيبتي وتصبري * وذري الشهور فإنهن قصار فأجابته : [ من الكامل ] فاذكر صبابتنا إليك وشوقنا * وارحم بناتك إنهن صغار فأقام وترك السفر . ويقال : رب ملازم لمهنته فاز ببغيته . وقال ابن الهيثم : [ من الطويل ] لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها * ولكن أخلاق الرجال تضيق وفيما ذكرته كفاية وأسأل الله التوفيق والهداية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .