الأبشيهي
876
المستطرف في كل فن مستظرف
وقيل سئل الخضر عليه السلام عن أعجب شيء رآه في الدنيا مع طول سياحته وقطعه للقفار والفلوات فقال : أعجب شيء رأيته أني مررت بمدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا متى بنيت وما زالت كذلك من عهد الطوفان ثم غبت عنها خمسمائة سنة ومررت بها فإذا هي خاوية على عروشها ولم أر أحداً أسأله وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت : أين المدينة التي ها هنا . فقالوا : سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ها هنا مدينة ثم غبت خمسمائة سنة ومررت بها وإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون يخرجون منه شبه الحلية فقلت للغواصين منذ كم هذا البحر ها هنا فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا البحر من عهد الطوفان . فغبت خمسمائة سنة وجئت فإذا البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة صيادون يصيدون فيها السمك قي زوارق صغار فقلت لبعضهم أين البحر الذي كان ها هنا فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ها هنا بحر . فغبت خسمائة عام ثم جئت إلى ذلك فإذا هو مدينة على الحالة الأولى والحصون والقصور والأسواق قائمة فقلت لبعضهم : أين الغيضة التي كانت ها هنا ومتي بنيت هذه المدينة فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها من عهد الطوفان . فغبت عنها نحو خمسمائة سنة ثم أتيت إليها فإذا عاليها سافلها وهي تدخن بدخان شديد فلم أر أحداً أسأله ثم أتيت راعياً فسألته أين المدينة قال سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا المكان هكذا منذ كان . فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي . فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد ووارث الأرض ومن عليها وباعث من من خلق منها بعد رده إليها . ولبعضهم : [ من الكامل ] قف بالديار فهذه آثارهم * تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بها أسائل أهلها * عن حالها مترحماً أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها * فارقت من تهوى وعز الملتقى ولبعضهم : [ من الرمل ] أيها الربع الذي قد دثرا * وكان عيناً ثم أضحى أثرا أين سكانك ماذا فعلوا * خبرن عنهم سقيت المطرا فلقد نادى منادي دارهم * رحلوا واستودعوني عبرا وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : أوحى الله إلى الدنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه يا دنيا مري على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم وقال بعض الحكماء : الدنيا كالماء المالح كلما ازداد صاحبها شراباً ازداد عطشاً أو كالكأس من عسل وفي أسفله سم فللذائق منه حلاوة عاجلة وفي أسفله الموت أو كحلم النائم يفرح في منامه فإذا استيقظ زال فرحه أو كالبرق يضيء قليلا ثم يذهب . ولما بنى المأمون قصره الذي ضرب به المثل نام فيه فسمم قائلا يقول : [ من الطويل ] أتبني بناء الخالدين وإنما * بقاؤك فيها إن عقلت قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية * لمن كان يوم يقتضيه رحيل