الأبشيهي

868

المستطرف في كل فن مستظرف

الباب الثالث والثمانون في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها قال الله تعالى : " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى " . " النساء : 77 " . فوصف سبحانه وتعالى جميع الدنيا بأنها متاع قليل وأنت أيها الإنسان تعلم أنك ما أوتيت من القليل إلا قليلا ثم إن القليل إن تمتعت به فهو لعب ولهو لقوله تعالى : " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة " . " الحديد : 20 " . وقال تعالى : " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " . " العنكبوت : 64 " . فلا تبع أيها العاقل حياة قليلة تفنى بحياة كثيرة تبقى كما قال ابن عياض : لو كانت الدنيا ذهباً يفنى والآخرة خزفاً يبقى لوجب علينا أن نختار ما يبقى على ما يفنى ثم تأمل بعقلك هل أتاك الله من الدنيا مثل ما أوتي لسليمان عليه الصلاة والسلام حيث ملكه الله تعالى جميع الدنيا من إنس وجن وسخر له الريح والطير والوحوش ثم زاده الله تعالى أحسن منها حيث قال : " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " . " ص : 39 " . فوالله ما عدها نعمة مثل ما عددتموها ولا حسبها رفعة مثل ما حسبتموها بل خاف أن يكون استدراجاً من حيث لا يعلم فقال : " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " . " النمل : . 4 " . وهذا فصل الخطاب لمن تدبر . هذا وقد قال لك ولجميع أهل الدنيا : " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " " الحجر : 92 و 93 " . وقال تعالى " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " " الأنبياء : 47 " . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أريك الدنيا بما فيها قلت بلى يا رسول الله فأخذ بيدي وأتى إلى واد من أودية المدينة فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم فقال : يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم وهي اليوم صارت عظاماً بلا جلد تم هي صائرة عظماً رميماً وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبتموها في الدنيا فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية رياشهم أصبحت والرياح تصفقها وهذه العظام عظام دوابهم