الأبشيهي

830

المستطرف في كل فن مستظرف

ظهره ونجح سفره وتمت بغيته . وضربوا فيه مثالا عجيباً فقالوا : إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقر وضر لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد وكان في القرية رجل يطعمهما قوتهما في كل يوم احتساباً لله تعالى فلم يزالا بنعمة إلى أن هلك ذلك الرجل فلبثا أياماً واشتد جوعهما وبلغ الضر منهما جهده فأجمع رأيهما على أن الأعمى يحمل المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره فاشتغل الأعمى بحمل المقعد ويدور به ويرشده إلى الطريق وأهل القرية يتصدقون عليهما فنجح أمرهما ولولا ذلك لهلكا . فكذلك القدر سببه الطلب والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه ألا ترى أن من طلب الرزق والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولم يبذر أرضه معتمداً في ذلك على الله واثقاً به أن تلد امرأته من غير مواقعة وأن ينبت الزرع من غير بذر كان عن المعقول خارجاً ولأمر الله كارهاً . قال الغزالي أما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبراً لضعفهم وتسكيناً لقلوبهم وقد أدخر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوت سنة ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئاً وقال : أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا . وقال عبد الله بن الفرج : أطلعت على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان بالشام فوجدته مستلقياً على قفاه وإذا بحية في فمها باقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى انتبه . فحسبك توكل يؤدي إلى هذا . وعن عبد الله الهروي قال : كنا مع الفضيل بن عياض على جبل أبي قيس فقال : لو أن رجلا صدق في توكله على الله ثم قال لهذا الجبل اهتز لاهتز فوالله لقد رأيت الجبل اهتز وتحرك فقال له الفضيل رحمه الله تعالى : لم أعنك رحمك الله فسكن وفي الإسرائيليات أن رجلا احتاج إلى أن يقترض ألف دينار فجاء إلى رجل من المتمولين فسأله في ذلك وقال له : تمهل علي بدينك إلى أن أسافر إلى البلد الفلاني فإن لي مالا آتيك به وأوفيك منه وتكون مدة الأجل بيني وبينك كذا وكذا فقال له : هذا غرر فأنا ما أعطيك مالي إلا أن تجعل لي كفيلا إن لم تحضر طلبته منه . فقال الرجل : الله كفيل بمالك وشاهد على أن لا أغفل عن وفائك فإن رضيت فافعل فداخل الرجل خشية الله تعالى وحمله التوكل على أن دفع المال للرجل فأخذه ومضى إلى البلد الذي ذكر فلما قرب الأجل الذي بينه وبين صاحبه جهز المال وقصد السفر في البحر فعسر عليه وجود مركب ومضت المدة وبعدها أيام وهو لا يجد مركباً فاغتم لذلك وأخذ الألف دينار وجعلها في خشبة وسمر عليها ثم قال : اللهم إني جعلتك كفيلا بإيصال هذه إلى صاحبها وقد تعذر علي وجود مركب وعزمت على طرحها في البحر وتوكلت عليك في إيصالها إليه ثم نقش على الخشبة رسالة إلى صاحبها بصورة الحال وطرحها في البحر بيده وأقام في البلدة مدة بعد ذلك إلى أن جاءت مركب فسافر فيها إلى صاحب المال فابتدأه وقال : أنت سيرت الألف دينار في خشبة صفتها كيت وكيت وعليها منقوش كذا وكذا قال : نعم قال : قد أوصلها الله تعالى إلي والله نعم الكفيل فقال : فكيف وصلت إليك قال : لما مضى الأجل المقدر بيني وبينك بقيت أتردد إلى البحر لأجدك أو أجد من يخبرني عنك فوقفت ذات يوم إلى الشط وإذا بالخشبة قد استندت إلي ولم أر لها طالباً فأخذها الغلام ليجعلها حطباً فلما كسرها وجد ما فيها فأخبرني بذلك فقرأت ما عليها فعلمت أن الله تعالى أملك لما توكلت عليه حق التوكل وقيل : إن سبب بداية ذي النون المصري رحمه الله تعالى أنه رأى طيراً أعمى بعيداً عن الماء والمرعى فبينما هو يتفكر في أمر ذلك الطائر فإذا هو بسكرجتين برزتا من الأرض إحداهما ذهب