الأبشيهي
809
المستطرف في كل فن مستظرف
الفصل الخامس في نوادر المعلمين قال الجاحظ : مررت بمعلم صبيان وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق فقلت ما هذه فقال : عندي صغار أوباش فأقول لأحدهم أقرأ لوحك فيصفر لي بضرطة فأضربه بالعصا القصيرة فيتأخر فأضربه بالعصا الطويلة فيفر من بين يدي فأضع الكرة في الصولجان وأضربه فأشجه فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح فأجعل الطبل في عنقي والبوق في فمي وأضرب الطبل وأنفخ في البوق فيسمع أهل الدرب ذلك فيسارعون إلي ويخلصوني منهم . وحكى الجاحظ أيضاً قال : مررت على خربة . فإذا بها معلم وهو ينبح نبيح الكلاب . فوقفت أنظر إليه وإذا بصبي قد خرج من دار فقبض عليه المعلم . وجعل يلطمه ويسبه فقلت عرفني خبره . فقال : هذا صبي لئيم يكره التعليم ويهرب ويدخل الدار ولا يخرج وله كلب يلعب به فإذا سمع صوتي ظن أنه صوت الكلب فيخرج فأمسكه . وجاءت امرأة إلى المعلم بولدها تشكوه فقال له : ما إن تنتهي وإلا فعلت بأمك فقالت يا معلم : هذا صبي ما ينفع فيه الكلام فافعل ما شئت لعله ينظر بعينه ويتوب فقام وفعل بها أمام ولدها وقال الجاحظ : رأيت معلماً في الكتاب وحده فسألته فقال : الصغار داخل الدرب يتصارعون فقلت أحب أن أراهم فقال : أشير عليك بذلك فقلت : لا بد قال : فإذا جئت إلى رأس الدرب اكشف رأسك لئلا يعتقدوك المعلم فيصفعونك حتى تعمى . وقال بعضهم : رأيت معلماً وقد جاء صغيران يتماسكان فقال أحدهما : هذا عض أذني فقال الآخر : لا والله يا سيدنا هو الذي عض أذن نفسه فقال المعلم : يا ابن الزانية هو كان جمل يعض أذن نفسه . وقال بعضهم : رأيت معلماً وهو يصلي العصر فلما ركع أدخل رأسه بين رجليه ونظر إلى الصغار وهم يلعبون وقال يا ابن البقال قد رأيت الذي عملت وسوف أكافئك إذا فرغت من الصلاة . وحكي عن الجاحظ أنه قال : ألفت كتاباً في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفل ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك فدخلت يوماً مدينة فوجدت فيها معلماً في هيئة حسنة فسلمت عليه فرد علي أحسن رد ورحب بي فجلست عنده وباحثته في القرآن فإذا هو ماهر فيه ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب فإذا هو كامل الآداب فقلت هذا والله مما يقوي عزمي على