الأبشيهي

672

المستطرف في كل فن مستظرف

لها مات ولدك كمداً بالحب فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام قال : فوالله ما كان إلا قليل حتى صاح ووضع يده على صدره ومات لساعته فقلت : والله لأصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه وبت تلك الليلة باكياً حزيناً فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي : هل رأيت شاباً يرعى غنماً فقلت لها : نعم وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة فلما كان الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها فإذا أنا بصوت هاتف يقول : [ من البسيط ] كنا على ظهرها والدهر يجمعنا * والشمل مجتمع والدار والوطن فمزق الدهر بالتفريق ألفتنا * وصار يجمعنا في بطنها الكفن قال : فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم وذكرت لهم القصة فبكى عليهم أهل الحي بكاء شديداً ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي . ومن ذلك ما حكي أن زوج عزة أراد أن يحج بها فسمع كثير الخبر فقال : والله لأحجن لعلي أفوز من عزة بنظرة قال : فبينما الناس في الطواف إذ نظر كثير لعزة وقد مضت إلى جمله فحيته ومسحت بين عينيه وقالت له : يا جمل فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل وقال : [ من البسيط ] حيتك عزة بعد الحج وانصرفت * فحي ويحك من حياك يا جمل لو كنت حييتها ما كنت ذا سرف * عندي ولا مسك الإدلاج والعمل قال : فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له : من تكون يرحمك الله قال : أنا كثير عزة فمن أنت يرحمك الله ، قال : أنا الفرزدق بن غالب التميمي ، قال : أنت القائل : [ من الكامل ] رحلت جمالهم بكل أسيلة * تركت فؤادي هائماً مخبولا لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا * حتى أودع قلبي المتبولا ساروا بقلبي في الحدوج وغادروا * جسمي يعالج زفرة وعويلا فقال الفرزدق : نعم فقال كثير : والله لولا إني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع بها هشام بن