الأبشيهي
670
المستطرف في كل فن مستظرف
البيوت فنهبنا وسبينا فلما هدأ القتال والنهب أمرت أصحابي بجمع السبايا لنقدم بهن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرجنا وأحصيناهم خرج منهم غلام لم يراهق الحلم ولم يجر عليه القلم وهو ماسك بشابة جميلة فقلنا له : يا غلام انعزل عن النساء فصاح صيحة مزعجة وهجم علينا فوالله لقد قتل منا في بقية نهارنا مائة رجل قال خالد : فرأيت أصحابي قد كرهوا قتاله وتأخروا عنه فملك منهم جواداً وعلا على ظهره ونادى البرازيا خالد قال : فبرزت إليه بنفسي بعد أن أنشدت شعراً فوالله لم يمهلني حتى أتم شعري بل حمل علي فتطاعنا حتى تكسرت القنا وتضاربنا بالسيوف حتى تفللت فوالله لقد اقتحمت الأهوال ومارست الأبطال فما رأيت أشد من حملاته ولا أسرع من هجماته فبينما نحن نعترك إذ كبا به فرسه فصار بين قوائمه فوثبت عليه وعلوت على صدره وقلت له : أفد نفسك بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنا أردك من حيث جئت قال : يا خالد ما أنصفتني أتركني حتى أجد من نفسي القوة قال خالد : فتركته وقلت لعله أن يسلم ثم شددته وثاقه وصفدته بالحديد وأنا أبكي إشفاقاً على حسن شبابه ثم أوثقته على بعير لي فلما علم أن لا خلاص له قال : يا خالد سألتك بحق إلهك إلا ما شددت ابنة عمي على ناقة أخرى إلى جانبي قال خالد : فأخذتها وشددتها على ناقة أخرى إلى جانبه ووكلت بهما جماعة من أشد القوم بالقواضب والرماح وسرنا فلما استقامت مطاياهما جعل الغلام والجارية يتناشدان الأشعار ويبكيان إلى آخر الليل فسمعته يذكر قصيدة يسب فيها الإسلام ويذكر أن لا يسلم أبداً فأخذت السيف وضربته فرميت رأسه فصاحت الجارية وأكبت صارخة فحركتها فوجدتها ميتة فأبركنا الأباعر وحفرنا ودفناهما فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبلنا نحدثه بعجيب ما رأينا مع الغلام فقال : لا تحدثوني شيئاً أنا أحدثكم به فقلنا : من أعلمك به يا رسول الله قال : أخبرني جبريل عليه السلام وتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من موافقتهما وموافقة أجلهما . ومن ذلك ما حكاه الثوري قال : حدثني جبلة بن الأسود وما رأيت شيخاً أصبح ولا أوضح منه قال : خرجت في طلب إبل لي ضلت فما زلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام وخفيت الطريق فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدهما فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتاً حسناً بعيداً وبكاء شديداً فشجاني حتى كدت أسقط عن فرسي فقلت لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت وادياً فإذا راع قد ضم غنماً له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم : [ من الطويل ] وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها * أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها من الحفرات البيض ود جليسها * إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها قال فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام وقال : من الرجل فقلت : منقطع به الممالك أتاك يستجير بك ويستعينك قال : مرحباً وأهلاً انزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطئ وطعام غير بطيء فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال : أعذرني في هذا الوقت فقلت والله إن هذا لخير كثير فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسناً فوثب قائماً إليها وما زال يقبل الأرض حتى وصل إليها وجعلا يتحادثان فقلت هذا رجل