الأبشيهي
667
المستطرف في كل فن مستظرف
الثالث فسأله عن حاجته فقال : يا أمير المؤمنين ما لي حاجة قال : ويحك أولست أقدر على حوائجك قال : بلى يا أمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها فقال : ويحك فاسألني فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها قال : بلى فلي الأمان يا أمير المؤمنين قال : نعم إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا بسببها تغني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال فافعل قال : فتغير وجه يزيد ثم قام من مجلسه فدخل على الجارية فأعلمها فقالت : وما عليك يا أمير المؤمنين فأمر بالفتى فأحضر وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فنصبت فقعد يزيد على أحدها والجارية على الآخر والفتى على الثالث ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ثم قال الفتى سل حاجتك فقال : تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر : [ من البسيط ] لا أستطيع سلواً عن مودتها * أو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني * حتى إذا قلت هذا صادق نزعا فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت وقال للفتى سل حاجتك فقال : مرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر : [ من الطويل ] تخيرت من نعمان عود أراكه * لهند ولكن من يبلغه هندا ألا عرجا بي بارك الله فيكما * وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت ثم قال للفتى سل حاجتك قال : تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر : [ من الكامل ] مني الوصال ومنكم الهجر * حتى يفرق بيننا الدهر والله لا أسلوكمو أبداً * ما لاح بدراً وبدا فجر فأمرها فغنت قال : فلم تتم الأبيات حتى خر الفتى مغشياً عليه فقال يزيد للجارية قومي انظري ما حاله فقامت إليه فحركته فإذا هو ميت فقال لها يزيد : أبكيه فقالت : لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حي فقال لها : أبكيه فوالله لو عاش ما انصرف إلا بك فبكت الجارية وبكى أمير المؤمنين وأمر بالفتى فجهز ودفن وأما الجارية فلم تمكث بعده إلا أياماً قلائل وماتت . وحكي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قدم على عبد الملك بن مروان فجلس ذات ليلة يسامره فتذاكر الغناء والجواري المغنيات والعشق فقال عبد الملك لعبد الله : حدثني بأمر ما مر لك في هذه الأغاني وما رأيت من الجواري قال : نعم يا أمير المؤمنين اشتريت جارية مولدة بعشرة آلاف درهم وكانت حاذقة مطبوعة فوصفت ليزيد بن معاوية فكتب إلي في شأنها فكتبت إليه : والله