الأبشيهي

651

المستطرف في كل فن مستظرف

ولولا صياحي بالغلام وإنه * تداركني بالحبل صرت إلى القعر فأقسمت عمري لا ركبت سفينة * ولا سرت طول الدهر إلى علي ظهر ومن ذلك ما حدث الشيباني قال : كان عند رجل بالعراق قينة وكان أبو نواس يختلف إليها وكانت تظهر له أنها لا تحب غيره وكان كلما دخل إليها وجد عندها شاباً يجالسها ويحادثها فقال فيها هذه الأبيات : [ من الوافر ] ومظهرة لخلق الله وداً * وتلقي بالتحية والسلام أتيت لبابها أشكو إليها * فلم أخلص إليه من الزحام فيا من ليس يكفيها خليل * ولا ألفا خليل كل عام أراك بقية من قوم موسى * فهم لا يصبرون على طعام وقال أبو سويد : حدثني أبو زيد الأسدي قال : دخلت على سليمان بن عبد الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر في وسط بستان ملتف قد أثمر وأينع وعلى رأسه وصائف كل واحدة منهن أحسن من صاحبتها وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت فقلت السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته وكان مطرقاً فرفع رأسه وقال : أبا زيد في مثل هذا حين تصاحبنا فقلت أصلح الله الأمير أو قامت القيامة قال : نعم على أهل المحبة ثم أطرق ملياً ورفع رأسه وقال : أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا قلت : أصلح الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء مضمومة الفاء أشربها من كفها وأمح فمي بخدها فأطرق سليمان ملياً لا يرد جواباً تنحدر من عينيه عبرات بلا شهيق فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه ثم رفع رأسه فقال : أبا زيد حفرت في يوم فيه انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة ممن قلبك . قلت نعم أصلح الله الأمير كنت جالساً عند دار أخيك سعيد بن عبد الملك فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلت من شبكة صياد عليها قميص سكب اسكندراني يبين منه بياض بدنها وتدوير سرتها ونقش تكتها وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان إلى حقويها لها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على محاجر عينيها وعينان مملوءتان سحراً وأنف كأنه قصبة بلور وفم كأنه جرح يقطر دماً وهي تقول : عباد الله من لي بدواء ما لا يشتكى وعلاج ما لا يسمى طال الحجاب وأبطأ الجواب والقلب طائر والعقل عازب والنفس والهة والفؤاد مختلس والنوم محتبس رحمة الله على قوم عاشوا تجلداً وماتوا كمداً ولو كان إلى الصبر حيلة أو إلى ترك الغرام سبيل لكان أمراً جميلا ثم أطرقت طويلا ورفعت رأسها فقلت لها : أيتها الجارية إنسية أنت أم جنية سماوية أنت أم أرضية فقد أعجبني ذكاء عقلك وأذهلني حسن منطقك فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني ثم قالت : أعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد بلا مساعد والمقاساة لصب معاند ثم انصرفت فوالله ما أكلت طعاماً طيباً إلا