الأبشيهي
646
المستطرف في كل فن مستظرف
وتر كذا ووتر كذا ففعلت وغنت شيئاً ما سمع منها إلا في هذا اليوم فقامت الجارية مكبة علي وقالت : أستاذي هاشم ورب الكعبة فقال الوليد : أهاشم بن سليمان أنت قلت : نعم يا أمير المؤمنين وكشفت عن وجهي وأقمت معه بقية يومنا فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقالت الجارية يا أمير المؤمنين أتأذن لي في بر أستاذي فقال الوليد : ذلك إليك فحلت يا أمير المؤمنين هذا العقد من عنقها ووضعته في عنقي وقالت : هو لك ثم قربوا إليه السفينة ليرجع إلى موضعه فركب في السفينة وطلعت معه إحدى الجاريتن وأتبعتها صاحبتي فأرادت أن ترفع رجلها وتطلع السفينة فسقطت في الماء فغرقت لوقتها وطلبت فلم يقدر عليها فاشتد جزع الوليد عليها وبكى بكاء شديداً وبكيت أنا عليها أيضاً بكاء شديداً فقال لي يا هاشم : ما نرجع عليك مما وهبناه لك ولكن نحب أن يكون هذا العقد عندنا نذكرها به فبعني إياه فعوضني عنه ثلاثين ألف درهم فلما وهبتني العقد يا أمير المؤمنين تذكرت قضيته وهذا سبب بكائي فقال الرشيد : لا تعجب فإن الله كما ورثنا مكانهم ورثنا أموالهم . وقال علي بن سليمان النوفلي : غنى دحمان الأشقر عند الرشيد يوماً فأنشده : [ من الطويل ] إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا * كفى لمطايانا برؤياك هاديا ذكرتك بالديرين يوماً فأشرفت * بنات الهوى حتى بلغن التراقيا إذا ما طواك الدهر يا أم مالك * فشأن المنايا القاضيات وشانيا قال : فطرب الرشيد طرباً شديداً واستعاده منه مرات ثم قال له : تمن علي . قال : أتمنى الهنيء والمرئ وهما ضيعتان غلتهما أربعون ألف دينار في كل سنة فأمر له بهما فقيل له يا أمير المؤمنين : إن هاتين الضيعتين من جلالتهما . يجب أن لا يسمح بمثلهما فقال الرشيد : لا سبيل إلى استرداد ما أعطيت ولكن احتالوا في شرائهما منه فساوموه فيهما حتى وقفوا معه على مائة ألف دينار فرضي بذلك فقال الرشيد : ادفعوها له فقالوا : يا أمير المؤمنين في إخراج مائة ألف دينار من بيت المال طعن ولكن نقطعها له فكان يوصل بخمسة آلاف وثلاثة آلاف حتى استوفاها . ومن ذلك ما حكى إسحاق الموصلي قال : كان الواثق بن المعتصم أعلم الناس بالغناء وكان يضع الألحان العجيبة ويغني بها شعره وشعر غيره فقال له يوماً : يا أبا محمد لقد فقت أهل العصر في كل شيء فغني شعراً أرتاح إليه وأطرب عليه يومي هذا قال إسحاق : فغنيته هذه الأبيات : [ من البسيط ] ما كنت أعلم ما في البين من حرق * حتى تناودا بأن قد جيء بالسفن قامت تودعني والدمع يغلبها * فهمهمت بعض ما قالت ولم تبن مالت إلي وضمتني لترشفني * كما يميل نسيم الريح بالغصن وأعرضت ثم قالت وهي باكية * يا ليت معرفتي إياك لم تكن