الأبشيهي

644

المستطرف في كل فن مستظرف

إلى دار ما رأيت أحسن منها بناء ولا أظرف منها هيئة فلما نظرت إلى أبي عيسى قال لي : ما يعيش من يحتشم اجلس فجلست فأتينا بطعام كثير فلما انقضى أتينا بشراب وقامت جارية تسقينا شراباً كالشعاع في زجاجة كأنها كوكب دري فقلت : أصلح الله الأمير وأتم عليه نعمه ولا سلبه ما وهبه . قال : فدعا أبو عيسى بالمغنين وهم المشدود ودبيس ورقيق . ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء . فابتدأ المشدود وغنى يقول : [ من البسيط ] لما استقل بأرداف تجاذبه * واخضر فوق بياض الدر شاربه وأشرق الورد من نسرين وجنته * واهتز أعلاه وارتجت حقائبه كلمته بجفون غير ناطقة * فكان من رده ما قال حاجبه ثم سكت وغنى دبيس : [ من البسيط ] الحب حلو أمرته عواقبه * وصاحب الحب صب القلب ذائبه استودع الله من بالطرف ودعني * يوم الفراق ودم العين ساكبه ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي * إرفق بقلبك قد عزت مطالبه ثم سكت وغنى رقيق : [ من البسيط ] بدر من الإنس حفته كواكبه * قد لاح عارضه واخضر شاربه إن يوعد الوعد يوماً فهو مخلفه * أو ينطق القول يوماً فهو كاذبه عاطيته كدم الأوداج صافية * فقام يشدو وقد مالت جوانبه ثم سكت وابتدأ المشدود يقول : يا دير حنة من ذات الأكيراح * من يصح عنك فإني لست بالصاحي ثم سكت وغنى دبيس : [ من البسيط ] دع البساتين من آس وتفاح * واعدل هديت إلى شيخ الأكيراح واعدل إلى فتية ذابت لحومهم * من العبادة إلا نضو أشباح وخمرة عتقت في دنها حقبا * كأنها دمعة في جفن سياح