الأبشيهي
635
المستطرف في كل فن مستظرف
الباب الثامن والستون في الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس فيه ومن كرهه ومن استحسنه وما ذكرت ذلك إلا لأني كرهت أن يكون كتابي هذا بعد اشتماله على فنون الأدب والتحف والنوادر والأمثال عاطلاً من هذه الصناعة التي هي مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ومسلاة الكئيب وأنس الوحيد وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه بمجامع النفس . فصل في الصوت الحسن قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : " يزيد في الخلق ما يشاء " " فاطر : 1 " هو الصوت الحسن وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتدرون متى كان الحداء قالوا : لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله . قال : إن أباكم مضر خرج في طلب مال له فوجد غلاماً قد تفرقت إبله فضربه على يده بالعصا فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح : وأيداه فسمعت الإبل صوته فعطفت عليه فقال مضر : لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاماً تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أعجبه حسن صوته : " لقد رأيت مزماراً من مزامير آل داود " وقيل : إن داود عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوماً في الأسبوع وتجتمع عليه الخلق فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطاً شديداً خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته . قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى : بلغنا أن الله تعالى يقيم داود عليه الصلاة والسلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول : يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم . وقال سلام الحادي للمنصور وكان يضرب المثل بحدائه مر يا أمير المؤمنين بأن