الأبشيهي
627
المستطرف في كل فن مستظرف
شداد ألف أمير من جبابرة قوم عاد أن يخرجوا ويطلبوا أرضا واسعة كثيرة الماء طيبة الهواء بعيدة من الجبال ليبني فيها مدينة من ذهب . قال : فخرج أولئك الأمراء ومع كل أمير ألف رجل من خدمه وحشمه فساروا في الأرض حتى وصلوا إلى جبل عدن فرأوا هناك أرضاً واسعة طيبة الهواء فأعجبتهم تلك الأرض فأمروا المهندسين والبنائين فخطوا مدينة مربعة الجوانب دورها أربعون فرسخاً من كل جهة عشرة فراسخ فحفروا الأساس إلى الماء وبنوا الجحران بحجارة الجزع اليماني حتى ظهر على وجه الأرض ثم أحاطوا به سور ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشوه بصفائح الفضة المموهة بالذهب فلا يكاد يدركه البصر إذا أشرقت الشمس وكان شداد قد بعث إلى جميع معادن الدنيا فاستخرج منها الذهب واتخذه لبناً ولم يترك في أحد من الناس في جميع الدنيا شيئاً من الذهب إلا غصبه واستخرج الكنوز المدفونة ثم بنى داخل المدينة مائة ألف قصر بعدد رؤساء مملكته كل قصر على عمد من أنواع الزبرجد واليواقيت معقودة بالذهب طول كل عمود مائة ذراع وأجرى في وسطها أنهاراً وعمل منها جداول لتلك القصور والمنازل وجعل حصاها من الذهب والجواهر واليواقيت وحلى قصورها بصفائح الذهب والفضة وجعل على حافات الأنهار أنواع الأشجار جذوعها من الذهب وأوراقها وثمرها من أنواع الزبرجد واليواقيت واللآلئ . وطلى حيطانها بالمسك والعنبر وجعل فيها جنة مزخرفة له وجعل أشجارها الزمرد واليواقيت وسائر أنواع المعادن ونصب عليها أنواع الطيور المسموعة الصادح والمغرد وغير ذلك ثم بنى حول المدينة مائة ألف منارة برسم الحراس الذين يحرسون المدينة فلما كمل بناؤها أمر في مشارق الأرض ومغاربها أن يتخذوا في البلاد بسطاً وستوراً وفرشاً من أنواع الحرير لتلك القصور والغرف وأمر باتخاذ أواني الذهب والفضة فاتخذوا جميع ما أمر به . فلما فرغوا من ذلك جميعه خرج شداد من حضرموت في أهل مملكته وقصد مدينة إرم ذات العماد فلما أشرف عليها ورآها قال : قد وصلت إلى ما كان هود يعدني به بعد الموت وقد حصلت عليه في الدنيا فلما أراد دخولها أمر الله تعالى ملكاً فصاح بهم صيحة الغضب وقبض ملك الموت أرواحهم في طرفة عين فخروا على وجوههم صرعى . قال الله تعالى : " وأنه أهلك عاداً الأولى " " النجم : 50 " . وذلك قبل هلاك عاد بالريح العقيم وأخفى الله تعال تلك المدينة عن أعين الناس فكانوا يرون بالليل في تلك البرية التي بنيت فيها معادن الذهب والفضة واليواقيت تفيء كالمصابيح فإذا وصلوا إليها لم يجدوا هناك شيئاً . وقد نقل أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري دخل إليها وذلك أنه ضلت له إبل فخرج في طلبها فوصل إليها فلما رآها دهش وبهت ورأى ما أذهله وحيره وقال في نفسه : هذه تشبه الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين في الآخرة فقصد باباً من أبوابها فلما وصل إليه أناخ راحلته ودخل المدينة فرأى تلك القصور والأنهار والأشجار ولم ير في المدينة أحداً فقال : ارجع إلى معاوية وأخبره بهذه المدينة وما فيها ثم حمل معه شيئاً من تلك الجواهر واليواقيت في وعاء وجعله على راحلته وعلم على المدينة علامة وقال قربها من جبل عدن كذا ومن الجهة الفلانية كذا ثم انصرف عنها بعدما ظفر بإبله ثم دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه بدمشق وأخبره بجميع ما رآه فقال له معاوية : في اليقظة رأيتها أم في المنام قال : بل في اليقظة وقد حملت من حصبائها وأخرج له شيئاً مما حمله من الجواهر واليواقيت فتعجب معاوية من ذلك ثم أرسل إلى كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه فلما دخل عليه قال