الأبشيهي
540
المستطرف في كل فن مستظرف
الباب التاسع والخمسون في أخبار العرب الباهلية وأوابدهم وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب من أكاذيبهم للعرب أوابد وعوائد كانوا يرونها فضلا وقد دل على بعضها القرآن العظيم وأكذب الله دعاويهم فيها فمن ذلك قوله تعالى : " وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " " المائدة : 103 " . قال أهل اللغة : البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان الأخير ذكراً بحروا أذنها أي شقوا أذنها وامتنعوا من ذكاتها ولا تمنع من ماء ولا مرعى . وكان الرجل إذا أعتق عبداً وقال هو سائبة فلا عقد بينهما ولا ميراث . وأما الوصيلة ففي الغنم كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح الذكر لآلهتهم . وأما الحام فالذكر من الإبل كانت العرب إذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : حمي ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى . وقال تعالى : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " " المائدة : 90 " فالخمر ما خامر العقل ومنه سميت الخمر خمراً والميسر القمار والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان وإحداها نصب والأزلام سهام كانت لهم مكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي فإذا أراد الرجل سفراً أو أمراً يهتم به ضرب بتلك القداح فإذا خرج الأمر مضى لحاجته وإذا خرج النهي لم يمض . ومن أوابدهم وأد البنات أي دفنهن أحياء . كانوا في الجاهلية إذا رزق أحدهم أنثى وأدها وإذا بشر بها ضاق صدره وكظم وجهه وهو قوله تعالى : " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم " " النحل : 58 " . وقال تعالى : " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " " الإسراء : 31 " . وقد قيل : إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار . وبمكة جبل يقال له : أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات . وقيل : إن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل . وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أمية فقال : أنا ابن محيي الموتى فأنكر الرجل ذلك فقال : إن الله تعالى يقول : " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " " المائدة : 32 " .