الأبشيهي
533
المستطرف في كل فن مستظرف
وطاعة فنزل وجمع له ما قدر على جمعه منها ودفع له ما عدم منها وأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك فقال الطواف : أيها الشيخ ليس جزعي لضياع ما ضاع لقد علم الله تعالى أني كنت في القافلة الفلانية فضاع لي هميان فيه أربعة آلاف دينار ومعها فصوص قيمتها كذلك فما جزعت لضياعها حيث كان لي غيرها من المال ولكن ولد لي ولد في هذه الليلة فاحتجنا لأمه ما تحتاج النفساء ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم فخشيت أن أشتري بها حاجة النفساء فأبقى بلا رأس مال وأنا قد صرت شيجاً كبيراً لا أقدر على المكسب فقلت في نفسي أشتري بها شيئاً من العطر فأطوف به صدر النهار فعسى استفضل شيئاً أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال أتكسب به واشتريت هذا العطر فحين انكب الطبق علمت أنه لم يبقى لي إلا الفرار منهم فهذا الذي أوجب جزعي . قال أبو حفص وكان رجل الجند جالساً إلى جانبي يستوعب الحديث فقال للشيخ أبي حفص : يا سيدي أريد أن تأتي بهذا الرجل إلى منزلي فظننا أن يعطيه شيئاً قال : فدخلنا إلى منزله فأقبل على الطواف وقال له : عجبت من جزعك فأعاد عليه القصة فقال له الجندي : وكنت في تلك القافلة . قال : نعم وكان فيها فلان وفلان فعلم الجندي صحة قوله فقال : وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك فوصف له المكان والعلامة قال الجندي إذا رأيته تعرفه قال : نعم فأخرج الجندي له همياناً ووضعه بين يديه فحين رآه صاح وقال : هذا همياني والله وعلامة صحة قولي أن فيه من الفصوص ما هو كيت وكيت ففتح الهميان فوجده كما ذكر فقال الجندي خذ مالك بارك الله لك فيه فقال الطواف إن هذه الفصوص قيمتها مثل الدنانير وأكثر فخذها وأنت في حل منها ونفسي طيبة بذلك فقال الجندي ما كنت لآخذ على أمانتي مالا وأبى أن يأخذ شيئاً ثم دفعها للطواف جميعها فأخذها ومضى ودخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء اللهم أغن فقرنا ويسر أمرنا برحمتك يا أرحم الراحمين . وحكي أن الملك ناصر الدولة من آل حمدان كان يشكو وجع القولنج حتى أعيا الأطباء دواؤه لم يجدوا له شفاء فدسوا على قتله وأرصدوا له رجلا ومعه خنجر فلما كان في بعض دهاليز القصر وثب عليه ذلك الرجل وضربه بالخنجر فجاءت الضربة أسفل خاصرته لم تخط المعي الذي فيه القولنج فخرج ما فيه من الخلط فعافاه الله تعالى وبرئ أحسن ما كان وبضد هذا ما حكاه أبو بكر الطرطوشي قال : حدثنا القاضي أبو مروان الداراني بطرطوشة قال : نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية فأووا إلى دار خربة هناك فاستكنوا فيها من الرياح والأمطار واستوقدوا نارهم وسووا معيشتهم وكان في تلك القربة حائط مائل قد أشرف على الوقوع فقال رجل منهم : يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا يدخلن أحد في هذه البقعة فأبوا إلا دخولها فاعتزلهم ذلك الرجل وبات خارجاً عنهم ولم يقرب ذلك المكان فأصبحوا في عافية وحملوا على دوابهم فبينما هم كذلك إذ دخل ذلك الرجل إلى الدار ليقضي حاجته فخر عليه الحائط فمات لوقته . قال وأخبرني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال : لقد جرت في هذه الدار وأشار إلى دار هناك قضية عجيبة قلت : وما هي قال : كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في