الأبشيهي

523

المستطرف في كل فن مستظرف

أولادك وأهلك فهلك الجميع ما هذه الصلاة فالتفت إليه وقال : الحمد لله الذي أعطاني ذلك كله ثم قبله مني . ثم قام إلى صلاته فرجع إبليس ثانياً فقال : يا رب سلطني على جسده فسلطه فنفخ في إبهام رجله فانتفخ ولا زال يسقط لحمه من شدة البلاء إلى أن بقي أمعاؤه تبين وهو مع ذلك كله صابر محتسب مفوض أمره إلى الله تعالى وكان الناس قد هجروه واستقذروه وألقوه خارجاً عن البيوت من نتن ريحه وكانت زوجته رحمة بنت يوسف الصديق قد سلمت فترددت إليه متفقدة فجاءها إبليس يوماً في صورة شيخ ومعه سخلة وقال لها : ليذبح أيوب هذه السخلة على اسمي فيبرأ فجاءته فأخبرته فقال لها : إن شفاني الله تعالى لأجلدنك مائة جلدة . تأمريني أن أذبح لغير الله تعالى فطردها عنه فذهبت وبقي . ليس له من يقوم به فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا أحد من الناس يتفقده خر ساجداً لله تعالى وقال : " وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " " الأنبياء : 83 " فلما علم الله تعالى منه ثباته على هذه البلوى طول هذه المدة وهي على ما قيل ثمان عشرة سنة وقيل غير ذلك وإنه تلقى جميع ذلك بالقبول وما شكا إلى مخلوق ما نزل به . عاد الله تعالى بألطافه عليه فقال تعالى : " فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا " " الأنبياء : 84 " . وأفاض عليه من نعمه ما أنساه بلوى نقمه ومنحه من أقسام كرمه أن أفتاه في يمينه تحلة قسمه ومدحه في نص الكتاب فقال تعالى : " وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب " " ص : 44 " . فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأسنى المواهب لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسماهم بسبب صبرهم أولي العزم وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم بما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم وإن قصر عن مداهم . وقبل : العسر يعقبه اليسر والشدة يعقبها الرخاء والتعب يعقبه الراحة والضيق يعقبه السعة والصبر يعقبه الفرج وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة والموفق من رزقه صبراً وأجراً والشقي من ساق القدر إليه جزعاً ووزراً . ومما شنف السمع من نجح هذه الإشارة وأتحف النفع في نهج هذه العبارة ما روي عن الحسن البصري رضي الله تعالى أنه قال : كنت بواسط فرأيت رجلا كأنه قد نبش من قبر فقلت : ما دهاك يا هذا فقال : أكتم على أمري حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين فكنت في أضيق حال وأسوأ عيش وأقبح مكان وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم فلما كان بالأمس أخرجت جماعة كانوا معي فضربت رقابهم وتحدث بعض أعوان السجن أن غداً تضرب عنقي فأخذني حزن شديد وبكاء مفرط وأجرى الله تعالى على لساني فقلت : إلهي اشتد الضر وفقد الصبر وأنت المستعان ثم ذهب من الليل أكثره فأخذتني غشية وأنا بين اليقظان والنائم إذا آتاني آت فقال لي : قم فصل ركعتين وقل : يا من لا يشغله شيء عن شيء يا من أحاط علمه بما ذرأ وبرأ وأنت عالم بخفيات الأمور ومحصي وساوس الصدور وأنت بالمنزل الأعلى وعلمك محيط بالمنزل الأدنى تعاليت علواً كبيراً يا مغيث أغثني وفك أسري واكشف ضري فقد نفذ صبري فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه