الأبشيهي

513

المستطرف في كل فن مستظرف

وكان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره على الدجلة ينظر فإذا هو بحشيش في وسط الماء وفي وسطه قصبة على رأسها رقعة فدعا بها فإذا فيها مكتوب شعراً وهو للشافعي رضي الله تعالى عنه : [ من البسيط ] تاه الأعيرج واستعلى به البطر * فقل له خير ما استعملته الحذر أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : فما انتفع بنفسه مدة . وأعجب ما وجد في السير خبر القاهر أحد الخلفاء وقلعه من الملك وخروجه إلى الجامع في بطانة جبة بغير طهارة ومد يده يسأل الناس بعد أن كان ملكه لأقطار الأرض فتبارك الله يعز من يشاء ويذل من يشاء . وقيل : كان لمحمد المهلبي قبل اتصاله بالسلطان حال ضعيف فبينما هو في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الحرث والمحراث إلا أنه من أهل الأدب إذ أنشده يقول : [ من الوافر ] ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حر * تصدق بالوفاة على أخيه قال : فرثا له رفيقه وأحضر له بدرهم ما سد به رمقه وحفظ الأبيات وتفرقا . ثم ترقى المهلبي إلى الوزارة وأخنى الدهر على ذلك الرجل الذي كان رفيقه فتوصل إلى إيصال رقعة إليه مكتوب فيها : [ من الوافر ] ألا قل للوزير فدته نفسي * مقال مذكر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش * ألا موت يباع فأشتريه فلما قرأها تذكر فأمر له بسبعمائة درهم ووقع تحت رقعته : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة " " البقرة : 261 " . ثم قلده عملا يرتزق منه . ودخل مسلمة بن زيد بن وهب على عبد الملك بن مروان فقال له : أي الزمان أدركته أفضل وأي الملوك أكمل فقال : أما الملوك فلم أر إلا حامداً وذاماً وأما الزمان فيرفع أقواماً ويضع آخرين وكلهم يذكر أنه يبلى جديدهم ويفرق عديدهم ويهرم صغيرهم ويهلك كبيرهم . وقال حبيب بن أوس : [ من البسيط ] لم أبك من زمن لم أرض خلته * إلا بكيت عليه حين ينصرم