الجواد الكاظمي
116
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
« الوجه في هذا الخبر أحد شيئين : أحدهما أن يكون محمولا على التقيّة ، لأنّ ذلك مذهب بعض العامّة على ما قدمنا القول فيه . والآخر أن نقول : بمجرد القذف لا يثبت اللَّعان بين اليهوديّة والمسلم ، ولا بينه وبين الأمة ، وانّما يثبت بمجرّد القذف اللَّعان في الموضع الَّذي لو لم يلاعن وجب عليه حدّ الفرية ، وذلك غير موجود في المسلم مع اليهوديّة ، ولا مع الأمة ، لأنّه لا يضرب حدّ القاذف إذا قذفها ، ولكن يعزّر على ما نبيّنه في كتاب الحدود ، فكأنّ اللَّعان ثبت بين هؤلاء بنفي الولد لا غير » . هذا كلامه وفيه نظر لانّ القذف في الصّورة المفروضة إذا أوجب التعزير جاز أن يكون اللَّعان لدفعه كما كان لدفع الحدّ فيتم فايدته ، مضافا إلى ما دلّ على الثّبوت مطلقا ، ومنه يظهر أنّ القول بالعموم كما هو ظاهر الآية هو الأصحّ . « ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ » يحتمل أن يكون إلَّا بمعنى غير صفة لما تقدّمه ، ويحتمل أن يكون ذكرها للمبالغة في نفى الشّاهد أي ليس لهم على ما ادّعوه شهداه رأسا فإنّ النّفوس مدّعية لا شاهدة . واختلف أصحابنا في اشتراط ذلك في صحّة اللَّعان ، فعن بعضهم هو شرط فلا يشرع اللَّعان مع البيّنة كما يعطيه ظاهر الآية ، وأنكر آخر ذلك فجوّز واللَّعان وان كان له بيّنة . قالوا : ولا ينافيه ظاهر الآية لأنه مفهوم الوصف وفي حجيّته توقّف ، ولو سلَّمت فيجوز أن يكون التّقييد هنا خرج مخرج الأغلب ، إذ الظَّاهر أنّ المدّعى لمثل هذه الفاحشة لا يعدل إلى اللَّعان مع وجود البيّنة عنده ، والتقييد إذا خرج مخرج الأغلب لا يدلّ على نفى الحكم عمّا عداه كما مرّ مرارا ، ولأنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم لا عن بين العجلاني ( 1 ) وزوجته الَّذي قيل انّه سبب نزول الآية ولم يسأله أنّ له
--> ( 1 ) اخرج حديث لعان العجلاني في الدر المنثور ج 5 ، ص 23 عن عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبى داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن سهل بن سعد ، وأخرجه في المنتقى أيضا عن سهل عن الجماعة إلا الترمذي ج 6 ، ص 283 نيل الأوطار وسنن البيهقي ج 7 ، ص 399 وص 400 والبحر الزخار ج 3 ص 249 ومشكوة المصابيح بشرح المرقاة ج 3 ، ص 493 . ورواه في تفسير البرهان ج 3 ، ص 125 عن علي بن إبراهيم وهو في تفسيره المطبوع بطهران سنة 1315 في ص 279 ورواه أيضا في الوسائل عن رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى عن تفسير النعماني الباب 1 من أبواب اللعان الحديث 9 ، وهو في طبعه الأميري ج 3 ، ص 195 وفي طبعه الإسلامية ج 15 ، ص 589 المسلسل 28910 . والمذكور في كنز العرفان ج 2 ، ص 295 : ان النبي ( ص ) قال له : البينة والأحد ظهرك والظاهر أنه سهو وخلط بين قصة هلال بن أمية وعويمر ، والحق ما أفاده المصنف - قدس سره - من أنه لم يسأل عن عويمر البينة . وللمحقق ابن فهد الحلي - أعلى اللَّه مقامه الشريف - في كتابه الثمين ( المهذب البارع ) ما يعجبنا نقله هنا وبه يتضح صحة ما أفاده المصنف هنا . قال - قدس سره - : « واما السنة ففي قضيتين : الأولى - قضية هلال بن أمية فإنه قذف زوجته بشريك بن السمحاء فقال النبي : البينة والأحد في ظهرك فقال : يا رسول اللَّه يجد أحدنا مع امرأته رجلا تلتمس البينة فجعل رسول اللَّه يقول : البينة والأحد في ظهرك فقال : والذي بعثك بالحق إنني لصادق وسينزل اللَّه في ما يبرئ ظهري من الجلد ، فنزل قوله تعالى : « والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ » . الآية فلا عن رسول اللَّه بينهما . الثانية - عويمر العجلاني وقيل : عويمر أتى النبي ( ص ) فقال : يا رسول اللَّه أرأيت الرجل يجد امرأته أيقتله فيقتلونه أم كيف يصنع ؟ - فقال رسول اللَّه : قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها فتلاعنا والآية نزلت في قضية هلال وقوله ( ص ) في القضية الثانية : أنزل فيك وفي صاحبتك أراد ( ص ) انه سبحانه بين حكم الواقعة بما أنزل في مثلها والحكم على الواحد حكم على الجماعة لما ثبت في موضعه » . انتهى كلامه ، وكتاب المهذب البارع نفيس جدا نرجو اللَّه تعالى أن يوفق المؤمنين بابرازه بصورة الطبع ونشره كي ينتفع به الفقهاء الكرام . وروى الحديثين قريبا مما في المهذب البارع في اللفظ في مستدرك الوسائل ج 3 ، ص 36 عن عوالي اللئالي .