الجواد الكاظمي
63
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
به من الكتب والاشهاد ممّن ترضون ] « أَقْسَطُ عِنْدَ الله » أكثر عدلا [ لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين والصدق أقرب وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند اللَّه ] . « وأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ » وأثبت لها وأعون على إقامتها [ لأنها سبب الحفظ والذكر فكانت أمرّ أي الاستقامة ، وقدم الأولى لأنها لتحصيل مرضاة اللَّه بخلاف الثانية فإنها للدنيا ] . واختلف في بنائهما ، فقال القاضي : أنهما مبنيان من « أقسط » و « أقام » على غير قياس ، أو من « قاسط » بمعنى ذي قسط وقويم ، وانما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده . قلت : لعل الوجه في تفسير قاسط بذي قسط حذرا من أن قاسطا قد يكون بمعنى جائر كقوله تعالى « وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً » ولهذا جعله أولا من أقسط أي أعدل وأقوم من أقام لا من قام على غير القياس . ويحتمل أن يكون أقام من قويم بمعنى ثابت أي أثبت ، ووجه كونه على غير قياس ما اشتهر بينهم أن أفعل التفضيل لا يبنى من المزيد فيه بل يقال أشد أقساطا وإقامة . ولكن هذا غير متفق عليه ، فان سيبويه يذهب إلى جوازه من أفعل المزيد خاصة ، فيجوّزه من باب الافعال نحو أعطاهم وأولاهم . قال الرضي : وعند سيبويه هو قياس عن أفعل مع كونه ذا زيادة ، ويؤيده وقوع ذلك كثيرا نحو أعطاهم للدنانير وأولاهم بالمعروف وأنت أكرم لي من فلان ، وانما جوزه لقلة التغيير فيه ، لأنك تحذف الهمزة منه فقط وترده إلى الثلاثي ثم تبنى منه افعل . وفي الكشاف فان قلت : مم بني فعلا التفضيل أعني أقسط وأقوم ؟ قلت : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط ، وأقوم من قويم ، والحق أن قول سيبويه هنا غير بعيد لوروده في كلام العرب كثيرا على وجه لا يصح التكلف في تصحيحه ، فينبغي القول به . « وأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا » وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله