الجواد الكاظمي

46

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

لطلب زيادة المال ، فبين تعالى ان الربا سبب النقصان لا سبب النماء ، وان الصدقة سبب النماء لا النقصان ، فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضى به الحس والطبع ويعول على ما ندب إليه العقل والشرع . « والله لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ » مصرّ على تحليل المحرمات ، فعال من الكفر « أَثِيمٍ » منهمك في ارتكابه متماد في إثمه بأكله . وفي الآية تغليظ عظيم في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين . وفي المجمع وانما لم يقل كل كافر لأنه إذا استحل الربا صار كافرا ، وإذا كثر أكله له مع الاستحلال فقد ضم كفرا إلى كفر . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا » واتركوا بقايا ما اشترطتم على الناس من الربا « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » بقلوبكم ، فان دليل الايمان امتثال ما أمرتم به . قيل كان الوليد بن المغيرة في زمن الجاهلية يربي ( 1 ) ، وقد بقي له بقايا على ثقيف ، فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد ان أسلم ، فنزلت ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام . وقيل كان لثقيف على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت . فان قيل : كيف قال « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » ثم قال في آخره « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » قيل فيه وجوه : منها أن هذا كما يقال « ان كنت أخي فأكرمني » معناه من كان أخا أكرم أخاه . ومنها ان معناه ان كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالايمان . ومنها أن معناه يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين بقلوبكم . وقد يستدل بظاهر الآية على أن الإنسان إنما يصير مؤمنا على الإطلاق مع تجنب كل الكبائر . ويجاب بأن المراد ان كنتم عاملين بمقتضى الأيمان ، فإن العمل لا يدخل في الايمان كما هو المذهب المنصور . « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا » ولم تتركوا البقايا من الربا « فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله ورَسُولِهِ » أي فاعلموا وتيقنوا ذلك من أذن بالشيء إذا علم به . وقرأ حمزة « فآذنوا » فأعلموا بها غيركم ، من الإذن وهو الاستماع فإنه من طريق العلم . وتنكير « حرب » للتعظيم . والمعنى

--> ( 1 ) انظر المجمع ج 1 ص 392 وانظر أيضا الدر المنثور ج 1 ص 364 .