الجواد الكاظمي

16

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

فشكت ثنتان منهن معادة ومسيكة إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فنزلت . والنص وان كان واردا في الإماء الا أن الإجماع منعقد على أن حال الحرائر كذلك في التحريم . « إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً » تعففا ، ولعل التقييد بالشرط لكون الآية نزلت على سبب خاص ( 1 ) فوقع النهي على تلك الصفة ، لا أن الشرط مراد حتى يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن ، لأن مفهوم الشرط انما يعتبر لو لم يكن في الكلام فائدة سواه ، أو نقول إذا لم يردن التحصن لا يتأتى الإكراه ، فإنه الإلزام على خلاف مقتضى الطبع ، وأمر الطبيعة المؤاتية على البغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها . وبالجملة مقتضى الآية تحريم الإكراه مع إرادة التحصن ، ولا يلزم من ذلك جوازه مع عدم إرادة التحصن ، فان عدم الحرمة جاز أن يكون لكون الإكراه غير مقدور ، أو نقول : غالب الحال أن الإكراه لا يحصل الا عند إرادة التحصن ، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما يرى في قوله « أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ » . ثم إنا لو سلمنا أن مفهوم الشرط اقتضى الجواز فلنا أن نقول : هو مفهوم عارضه ما هو أقوى منه ، وهو الإجماع على عدم جوازه مطلقا فيضمحل الضعيف بمعارضته . وقيل انّ « ان » بمعنى « إذ » ، لأن سبب النزول ورد على ذلك . وفي إيثار كلمة « ان » على « إذ » تنبيه على أن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن ، وان ما وجد من معادة ومسيكة من قبيل الشاذ النادر . « لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا » أي من كسبهن وبيع أولادهن « ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ

--> ( 1 ) وفي الانتصاف المطبوع ذيل الكشاف ج 3 ص 239 بيان يعجبنا نقله قال وعند العبد الفقير إلى اللَّه تعالى ان فائدة ذلك واللَّه اعلم أن يبشع عند المخاطب الوقوع فيه لكي يتيقظ انه كان ينبغي له ان يأنف من هذه الرذيلة وان لم يكن زاجر شرعي . ووجه التبشيع عليها ان مضمون الآية النداء عليه بان أمته خير منه لأنها آثرت التحصن عن الفاحشة وهو يأبى الا إكراهها عليها ولو أبرز مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه وعسى هذه الآية تأخذ بالنفوس الدنية فكيف بالنفوس العربية انتهى .