الجواد الكاظمي
112
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
يُبَدِّلُونَهُ » . ونحوها من الاخبار المتظافرة ( 1 ) ، بل استدلوا بها على تحريم التبديل في الوقف وغيره من الاحتياط فيه . « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ » فمن توقع ، والمجرور في محل النصب على الحال من قوله « جَنَفاً » ميلا عن الحق ، والتقدير من توقع جنفا كائنا من موص بسبب مخالفة الشرع خطأ « أَوْ إِثْماً » بأن فعل ذلك الجنف عن عمد « فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ » أي بين الموصى لهم بإجراء وصيتهم على النهج المشروع « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » بذلك التبديل ، فإن الإثم إنما يترتب على التبديل من الحق إلى الباطل وهذا من الباطل إلى الحق . وروى ( 2 ) الكليني عن محمّد بن سوقة قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللَّه تبارك وتعالى « فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ » . قال : نسختها التي بعدها « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً » . قال : يعنى الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصى فيما أوصى به إليه فيما لا يرضى اللَّه به من خلاف الحق ، فلا إثم على الموصى إليه أن يبدله إلى الحق والى ما يرضى اللَّه به من سبيل الخير . ولعل المراد بنسخها رفع عموم التحريم المستفاد من التبديل مطلقا ، ويكون التحريم بالنسبة إلى التبديل من الباطل إلى الحق كما هو مفاد الآية الثانية مرتفعا عن حكم الأولى ، فكأنه نسخ . واحتمل في المجمع ( 3 ) « أن يكون معنى الآية ان الوصي إذا كان يظن حين
--> ( 1 ) انظر الوسائل الباب 33 و 34 من أبواب كتاب الوصايا ص 670 و 671 ج 2 ط الأميري ومستدرك الوسائل ج 2 ص 522 - 523 . ( 2 ) الكافي ج 2 ص 239 باب من خاف في الوصية الحديث 2 وهو في المرآة ج 4 ص 128 ورواه في التهذيب ج 9 ص 186 بالرقم 747 . ( 3 ) المجمع ج 1 ص 269 وهذا المعنى هو مختار الطبري في تفسيره ج 2 ص 126 واحتمله غير واحد من المفسرين وعليه يكون قوله فمن خاف على ظاهره ويكون للأمر المنتظر ولو كان المراد المعنى المشهور من رد الأوصياء خطأ الميت لكان المناسب التعبير بلفظ فمن تبين من موص جنفا أو أثما . ويكون على هذا المعنى قوله فأصلح بينهم أي فيما يخاف بينهم من حدوث الخلاف فيه فيما بعد وعليه لا نحتاج إلى جعل نفى الإثم نظير نفى الجناح في السعي بين الصفا والمروة والتقصير في السفر واخبار الباب أيضا لا تنافي هذا المعنى . وتفصيل الكلام لا يناسبه المقام الا ان الأستاد مرتضى المدرسي الجاردهى مد ظله قد اتحفنا بنسخة خطية من آيات الأحكام للعلامة الرجالي ميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي المتوفى 1026 رأيت منه في هذا البحث بيانا متينا لا يسعني الإعراض عنه ويعجبني نقله بعين عبارته . قال قدس سره بعد نقل كلام الطبرسي الفرق بين الجنف والإثم بالخطإ والعمد هو ظاهر أكثر محققي المفسرين خصوصا المتأخرين وظاهر كلام صاحب القيل ( المقصود كلام الطبرسي بلفظ قيل ) كما تقدم ان الجنف ميل الموصى عن الحق بأن يوصى لبعض دون بعض والإثم ما يستلزم الخلاف والفساد بين جماعة منهم وكأنه لا بأس بأن يحمل الجنف على ميل الموصى عن الحق إذا أمكنه تداركه برجوعه إلى الصواب والإثم على ما لم يكن إذ الظاهر أنه لا يأثم بما أمكن تداركه . ويكون مآل الكلام ومن خاف من موص جنفا ان يقع منه أو ان يلحقه عقوبته أو إثما أي ميلا عن الحق لزمه فلا يمكنه الرجوع منه وتغييره فأصلح بينهم في الأول بأن يشير عليه بالحق ويرده إلى الصواب وان كان قد أوصى وفي الثاني بأن يرد الوصية إلى الحق والمعروف ويعمل كما هو المقرر عند آل محمد عليهم السّلام وحينئذ فخاف على ظاهره وكذا الجنف والإثم ولم يثبت عنهم عليهم السّلام ما ينافي حمل الآية على هذا العموم نعم الحمل على ما أوصى انسب ببيان ما تقدم من التبديل فتدبر . انتهى كلامه رفع مقامه وهو بيان دقيق عميق يليق بان يكتب بماء الذهب على القباطي بل لعمري انه لحري أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور ولا ننسى الثناء الجزيل للأستاد المدرسي الجاردهى مد ظله حيث تفضل علينا بإرسال هذا الكتاب الثمين لهذا العالم الجليل النبيل .