الشيخ حسن الجواهري
171
بحوث في الفقه المعاصر
وهو قريب مع ملاحظة المجتمعات البدائية ، فإن تعيين حجم الأشياء مثل الحنطة وغيرها بالكيل يكون أخف وأسهل من معرفتها بالوزن ، والإنسان في بداية أمره يتوسل بالأشياء السهلة كالكيل ثم يتعمق ويصل إلى الأشياء الدقيقة ، بالإضافة إلى أن الوزن لا تنفعنا أسبقيته من الكيل ، إذ الذي ينفع في المقام هو رفع الجهالة في البيع وحصول التساوي في مبادلة المتماثلين ، وإذا فرضنا أن العقلاء تعلق غرضهم بالحجم وبه ترتفع الجهالة ويحصل التساوي ، فحينئذ استعمال الوزن لا ترتفع به الجهالة عند العقلاء ولا يحصل به التساوي . إذن فالصحيح هو أنه يجب بيع المكيل بالكيل والموزون بالوزن وذلك : لأن المقاييس عند البشر مختلفة ، فإن تعلق الغرض العقلائي بالوزن فمعنى ذلك أن هذا الشئ عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف ثقله ، وإن تعلق الغرض العقلائي بالكيل ، فمعنى ذلك أن هذا الشئ عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف حجمه ، وإن تعلق الغرض العقلائي بالمساحة فمعنى ذلك أن القماش مثلا عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف الأمتار ، إذن كل مقياس إذا استعمل في الغرض العقلائي عند البشر فقد ارتفعت الجاهلة فيصح البيع ، أو حصلت المماثلة العرفية العقلائية فيصح مبادلة المتماثلين . فمثلا الحنطة والشعير لا بدّ من بيعهما مثلا بمثل وهما موزونان عند العقلاء فلا بدّ من المماثلة بالوزن لأن قيمتهما بالثقل ، فلو استعملنا معهما الكيل فربما لا يكون بينهما تماثل بالوزن وإن كان التماثل بالكيل ، فيتحقق الربا لعدم حصول المماثلة الخاصة التي اعتبرها العقلاء في الحنطة والشعير التي هي ميزان التماثل ، وكذلك في البطيخ والرقي وأمثالهما ، حيث إن المعتبر فيها عند العقلاء إذا كان هو الوزن ، ونحن أردنا نبيعها بمثلها كيلا ، وكذلك الشئ الذي يباع بالأمتار كالفرش ، فإذا أردنا بيعه بالوزن فلا تعرف قيمته عند العقلاء