الشيخ حسن الجواهري

116

بحوث في الفقه المعاصر

والولوية للتوسع تارة وللتضييق أخرى ، وحينئذ يكون المراد الجدي من الربا شاملا لما تكفلت السنّة ببيانه ، وتوضيح ذلك : أن الآيات القرآنية مطلقة في تحريم الربا ( 1 ) ونحن نأخذ بإطلاقها وإن كان مورد نزولها خاصاً ، لأن المورد لا يخصص الوارد ، فهي تشمل كل ما كان ربا بالمعنى اللغوي ، وتشمل أيضاً ما حكم الشارع بأنه ربا فيكون حراماً ، وبذلك يكون الربا شاملا لما بينته السنّة باعتبار أنها تحقق العنوان فينطبق الحكم عليه قهراً .

--> ( 1 ) قد يقال أن المراد من ( اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) ( البقرة : 275 ) هو الحلية الوضعية والحرمة التي هي حرمة تملك الزيادة التي هي الربا ، فهي ناظرة إلى أن تملك الزيادة فاسد كما في قوله تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) ( البقرة : 187 ) . وأما الحرمة التكليفية لإنشاء المعاملة الربوية فهي مستفادة من قوله تعالى : ( وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) ( البقرة : 278 - 279 ) إذا لأذن بالمحاربة مع الله والرسول يدل على أن غير المتجنب من الربا قد فعل فعلا حراماً أوجب الإذن بالمحاربة ، لا فقط فساد تملك الزيادة . ولكن يرد عليه : أولا أن ظاهر التحريم هو التكليفي كما في قوله تعالى : ( قُل لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ . . . ) ( الأنعام : 145 ) ، فإن إسناد التحريم إلى الفعل ظاهر في التكليف ، نعم نسبة الحرمة إلى الأعيان قيل أنها مجملة ك‍ ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ . . . ) ( النساء : 22 ) . وأما قوله : ( وَلاَ تَأْكُلُوا ) فهي أيضاً تكليف وإن كان يلزم منه الوضع والفساد أيضاً ، وعلى تقدير التسليم فلا يقاس ( وَلاَ تَأْكُلُوا ) الذي هو نهى على مادة التحريم . وثانياً : لو كان ( حَرَّمَ الرِّبَا ) ظاهراً في الفساد فمن أين أثبت أن الفساد في الزيادة لا في الأصل ؟ بل أن هذا يتوقف على البحث في هذه الجهة . وثالثاً : إذا ألغينا ظهور ( حَرَّمَ الرِّبَا ) في التكليف يلزم إلا نأخذ بدلالة ( ذروا ) لأنه محتمل الكراهة ، والمحاربة أيضاً لا تدل على الحرمة إلاّ بالإطلاق لقوله ( فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا ) الشامل للمستحل ولغيره ، ومع الإغماض عن الإطلاق لا دافع لاحتمال أن يكون الربا محاربة مع قيد الاستحلال لا نفس العمل وحده . وعلى كل حال : فإن الحرمة المستفادة من الآية القرآنية ، وبقية الآيات مطلقة تشمل حتى إنشاء المعاملة الربوية . وأما الروايات التي وردت في لعن أكل الربا وفاعله وكاتبه ومنشئه فتدل على حرمة الإنشاء للمعاملة أيضاً .