الشيخ حسن الجواهري

106

بحوث في الفقه المعاصر

وبعد أن ذكر السنهوري كلام ابن القيم في الجواز قال : « وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب ، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعوا الحاجة إلى بيعه وشرائه . فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع . . . » ( 1 ) . ولا ندري لماذا لم يقل ابن القيم أن العاقل لا يبيع الحنطة الرديئة بالحنطة الجيدة من دون تفاضل ، فإنه سفه وإضاعة للجودة ، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك ، فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه . . . الخ ، فإن منهجه الذي سلكه يلزمه أن يقول هذا أيضاً ، ولا يحدث أي شئ زائد على ما فعله هنا ، إذ كل ما فعله هنا مخالفة النص الصريح . فلتكن مخالفة النص في موردين ، أحدهما هنا والأخر في بيع الحنطة الرديئة بالحنطة الجيدة متفاضلا . ثم إننا لا نرى توجيهاً لهذا المسلك من إباحة بيع المصوغ بجنسه متفاضلا إلا أن يقصد من الحاجة الضرورة التي تبيح المحظور ، وإلا كيف يفتي بالجواز مع وجود نصوص صريحة في حرمة هذه المعاملة يرويها أبناء العامة أنفسهم ؟ ! فقد أخرج مسلم وغيره القصة التي وقعت بين عبادة ومعاوية عن أبي الأشعث أنه قال : « غزونا غزاة وعلى الناس معاوية ، فغنمنا غنائم كثيرة فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس ، فتنازع الناس في ذلك ، فبلغ عبادة ابن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلاّ سواء بسواء عيناً بعين ومن زاد أو ازداد فقد أربى ، فرد الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك

--> ( 1 ) مصادر الحق : 3 / 212 .