الجواد الكاظمي
92
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
فهذا هو الفيء الراجع وإنّما يكون الراجع ما كان في يد غيرهم ، فأخذ منهم بالسيف وأمّا ما رجع إليهم من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فهو الأنفال ، فهو للَّه وللرسول خاصّة ، وليس لأحد فيه شركة ، وإنّما جعل الشركة في شيء قوتل عليه إلى آخر ما ذكره ( 1 ) . ومقتضاه أنّ هذا القسم أعني الراجع إليهم بلا قتال بعد دخوله في يد غيرهم من الأنفال وقد سبقت الإشارة إلى كونه من الأنفال ، وهنا يظهر الوجه في كونه فيئا . « مِنْهُمْ » أي من الكفرة أو من بني النضير « فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ » الفاء جواب الشرط أي ما أجريتم على تحصيله ومغنمه ، من الوجف وهو سرعة السير « مِنْ خَيْلٍ ولا رِكابٍ » وإنّما مشيتم إليه على أرجلكم ، فانّ قرى بنى النضير كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليهم رجالا غير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فإنّه ركب جملا أو حمارا ولم يجر قتال . « ولكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ » أي يمكَّنهم من عدوّهم من غير قتال بأن يقذف الرعب في قلوبهم ، أو على ما في أيديهم كما كان يسلَّط رسله على أعدائه فالأمر فيه مفوّض إليه ، فلا يقسم قسمة الغنيمة الَّتي قوتل عليها وأخذت عنوة ، وذلك أنّهم طلبوا قسمتها بينهم فنزلت . جعل اللَّه أموال بني النضير لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم خالصة يفعل بها ما يشاء إلَّا أنّه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلَّا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة ، وقد تقدّم أنّ هذا من الأنفال فيكون للإمام عليه السلام بعد النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم . « واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » فيفعل تارة بالوسائط الظاهرة ، وتارة بغيرها . « ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى » ( 2 ) قيل لم يعطف هذه على ما قبلها لأنّها بيان
--> ( 1 ) أصول الكافي أول باب الفيء والأنفال وهو مطبوع مع الفروع ج 1 ص 423 وشرحه المجلسي في المرآة ج 1 ص 441 وملا صالح المازندراني في ج 7 ص 287 . ( 2 ) في سن وعش وهامش قض أيضا : اختلف المفسرون في هذه الآية فحكى عن قتادة أنها منسوخة بما ذكر في سورة الأنفال ، ويرده ان سورة الأنفال نزلت في قصة بدر وهذه بعدها بلا خلاف فكيف تنسخ بها . وذهب قوم إلى أن الأولى لرسول اللَّه وآله بلا خلاف ، والثانية اختلف الناس فيها على أربعة أقوال : أحدها في القرى التي قوتلت ، فما أفاء اللَّه على رسوله منها فلله وللرسول ولذي القربى ، الآية ، ثم نسخ بما في الأنفال ، ويرده ما تقدم . الثاني أن الأولى أن النبي ( ص ) يأخذ حاجته منه ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . والثانية أن المراد بها الجزية والخراج ، فهي للأصناف المذكورة . الثالث أن الأولى في بني النضير ولم يكن فيها خمس ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وكانت صافية لرسول اللَّه فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار والثانية في بني قريظة . الرابع أن المراد بهما واحد وأنهما في غير الغنيمة ، وهو الأصح بين أصحابنا نظرا إلى أن المراد بالغنيمة ما أخذ بالسيف : أربعة أخماسه للمقاتلة ، وخمسه للذين ذكرهم اللَّه في سورة الأنفال ، والفئ غيرها . قال الشيخ في التبيان ( ج 2 ص 666 ط إيران ) بعد ذكر الأقوال : والذي نذهب إليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة ، فالغنيمة كل ما أخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الإسلام ، ومالا يمكن نقله إلى دار الإسلام فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الإمام ويصرف ارتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين ، والفئ كل ما أخذ من الكفار بغير قتال أو انجلى أهلها وكان ذلك للنبي وآله خاصة يضعه في المذكورين في هذه الآية ، وهو لمن قام مقامه من الأئمة الراشدين انتهى . وفي الكشاف ( ج 3 ص 214 ط 1367 مطبعة البابي الحلبي ) : لم يعطف على ما قبلها لأنها بيان لها غير أجنبية عنها بين لرسول اللَّه ( ص ) فيها ما يصنع بالفيء وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم . قلت : ما ذكره من الوجه في عدم العطف جيد وظاهر كلامه يوافق أصحابنا فإن المراد أنه أمره أن يضع جميع الفيء حيث يضع الخمس من الغنائم ونحن نقول به ، الا أنهم لا يخصون اليتامى والمساكين بقرابة الرسول ( ص ) بل يعمون بها جميع الناس كما سننبه عليه . فلله وللرسول إلخ .