الجواد الكاظمي

60

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

« واللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ » فيزيد على سبعمائة لمن يشاء بفضله ، ومشيّته المتعلَّقة ببعض دون بعض ، فإنّه فاعل لما يريد ، أو على حسب حال المنفق من إخلاصه واحتياجه أو حال المنفق عليه من اضطراره وصلاحه وقرابته وشرافته ، أو طريق الإنفاق من كونه سرّا لا يعلم فيه أحد ونحوه ، ومن أجله تفاوت الأعمال في مقادير الثواب . « واللهُ واسِعٌ » لا يضيق بما يتفضّل به من الزيادة « عَلِيمٌ » بنيّة المنفق وقدر إنفاقه وحال المنفق عليه ، فيرتّب الثواب على ما يناسب حال كلّ واحد منها . قيل : هي خاصّة بالإنفاق في الجهاد فأمّا غيره من الطاعات فإنّما يجزى بالواحدة عشرة أمثالها كما قال تعالى « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » ( 1 ) فلا تنافي بينهما ، ويمكن الجمع بوجه آخر وهو أنّ المراد بيان ثواب الإنفاق في وجوه البرّ وآية العشرة في الطاعات غيرها ، ويمكن العمل بعموم كلّ منهما من غير تخصيص والاقتصار على العشرة في الأخرى لكونه أقلّ المراتب وهو الظاهر من قوله « يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ » أي يزيد في ذلك . السادسة : [ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا ولا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ] ( 2 ) . « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا ولا أَذىً » المنّ ( 3 ) ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل أحسنت إلى فلان ونعشته ، أو لم أحسن

--> ( 1 ) الانعام : 160 . ( 2 ) البقرة : 262 . ( 3 ) في سن : المن في اللغة تارة يطلق على الانعام يقال : قد من اللَّه على فلان ، إذا أنعم عليه ولفلان على منة : أي نعمة ، ومن ثم يوصف اللَّه تعالى بأنه منان ، أي منعم . وتارة يطلق على النقص من الحق والحبس له ، قال تعالى « وإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ » أي غير مقطوع ولا ممنوع ، ومنه سمى الموت منونا لأنه ينقص الأعمار ويقطع الإعذار ، ومن هذا المعنى المنة المذمومة ، لأنها منقص النعمة ومكدرها ، فالمراد بالمن هو إظهار الاصطناع عليهم وهو ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل : أحسنت إلى فلان ونعشته ، أو لم أحسن إليك ؟ ألم أعطك ؟ وانما كان المن مذموما لان الفقير الأخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة الغير معترف باليد العليا للمعطى ، فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار الانعام عليه ، زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة والإساءة بعد الإحسان والأذى ضرر يتعجل إلخ .