الجواد الكاظمي

54

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم أوّلا عن المنفق والمصرف ، ثمّ سأل عن كيفيّة الإنفاق . « قُلِ الْعَفْوَ » هو نقيض الجهد ، ومنه يقال للأرض السهلة العفو ، وهو أن ينفق ما تيسّر له بذله ، ولا يبلغ منه الجهد واستفراغ الوسع ، قال الشاعر : خذ العفو منّى تستديمي مودّتي وقيل الوسط من غير إسراف ولا إقتار ، وهو المرويّ عن الصادق عليه السّلام ( 1 ) ، وقيل إنّه مأخوذ من الزيادة والفضل ، ومنه « حَتَّى عَفَوْا » ( 2 ) أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد ، والمراد به ما فضل عن قوت السنة ، وهو المرويّ عن الباقر ( 3 ) عليه السّلام أيضا . واختلف في هذا الإنفاق فقيل إنّه تطوّع ، ولو كان مفروضا لبيّن مقداره ولم يفوّض إلى رأي المتصدّق ( 4 ) وقيل إنّه مفروض ، وإنّه كان قبل نزول آية الصدقات ، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ، وينفقون ما فضل ، ثمّ نسخت بآية الزكاة ، ونقله في مجمع البيان ( 5 ) عن السدّي ولا شكّ في بعد النسخ ، لأنّه خلاف الأصل والمنافاة غير ظاهرة إلَّا بالتأويل ، وفيها دلالة على أنّ الإنفاق لا يكون بجميع ما عنده من المال ، بحيث يبلغ به الجهد ويصير كلَّا على الناس . ويؤيّده ما روى عنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنّ رجلا أتاه ببيضة ( 6 ) من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها منّي صدقة ، فأعرض عنه فأتاه من جانب آخر فقال له مثله فأعرض عنه ثمّ أتاه من جانب آخر فأعرض عنه ثمّ قال هاتها مغضبا فأخذها وحذفه بها حذفا

--> ( 1 ) انظر البرهان ج 1 ص 212 والمجمع ج 1 ص 316 والكافي ج 1 ص 187 باب فضل القصد الحديث 3 . ( 2 ) الأعراف : 95 . ( 3 ) المجمع ج 1 ص 316 والبرهان ج 1 ص 212 ونور الثقلين ج 1 ص 175 . ( 4 ) المتكلم خ . ( 5 ) المجمع ج 1 ص 316 . ( 6 ) نسخة القاضي : بصدقة ، ببيضة خ ل .