الجواد الكاظمي
49
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
« لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » : إلحاحا ، وهو أن يلازم المسؤول حتّى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده ، والمراد أنّهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا في سؤالهم ، ويحتمل أن يكون المراد نفي أصل السؤال ونقله في مجمع البيان عن أكثر أرباب المعاني قال : وفي الآية ما يدلّ عليه ، وهو قوله « يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ » في المسئلة ، ولو كانوا يسئلون لم يحسبهم الجاهل غنيّا لأنّ السؤال في الظاهر يدلّ على الفقر ، وقوله أيضا « تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ » ولو سألوا لعرفوا بالسؤال فهو كقولك ما رأيت مثله وأنت تريد أنّه ليس له مثل لا أنّ له مثلا ما رأيته ، وهذا هو الصحيح ( 1 ) وانتصابه على المصدر فإنّه كنوع من السؤال ، أو على الحال ، وفيها تحريض للفقراء وحثّ على أن يتّصفوا بهذه الصفات . وفي الحديث ( 2 ) أنّ اللَّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عباده ، ويكره البؤس والبأس ويحبّ الحليم المتعفّف من عباده ، ويبغض الفاحش البذيّ السؤّال الملحف . وقد تظافرت الأخبار بكراهة السؤال لغير اللَّه روى محمّد بن مسلم ( 3 ) عن الصادق عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام اتّبعوا قول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : من فتح على نفسه باب مسئلة فتح اللَّه عليه باب فقر وروى إبراهيم بن عثمان ( 4 ) عن الصادق عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله :
--> ( 1 ) زاد في سن : ويمكن بيانه بوجه آخر ، وهو أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات ، لأنه بسؤاله أراق ماء وجهه وحمل الذل في إظهار السؤال فربما يقول لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصودي . وهذا يحمله على الإلحاح . وإذا ثبت أن كل من سأل ، فلا بد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات ، فإذا نفى تعالى عنهم الإلحاح مطلقا فقد نفى السؤال عنهم مطلقا . ( 2 ) انظر المجمع ج 1 ص 387 . ( 3 ) الكافي ج 1 ص 168 باب من سئل من غير حاجة الحديث 2 والفقيه ج 2 ص 40 الرقم 181 . ( 4 ) الكافي ج 1 ص 168 باب كراهية المسئلة الحديث 4 .