الجواد الكاظمي

411

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

وهذه الأمور وإن كانت من وصايا لقمان لابنه إلَّا أنّ اللَّه تعالى أعطاه الحكمة ونقل وصيّته في كتابه ، وهو يدلّ علي الحثّ عليها فيجب العمل بها وحينئذ فكلّ ما يدلّ على التحريم فيها يعمل به فيه ، وكذا غيره من الأحكام إلَّا أن يقوم الدّليل من الخارج على العدم فيعمل عليه . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ » ( 1 ) أي لا يسخر بعض المؤمنين من بعض ، أو لا يسخر أغنياء المؤمنين من فقرائهم والسخريّة الاستهزاء واختار الجمع لأنّ السخرية تغلب وقوعها في المجامع لا الوحدة ، ومقتضى النهي تحريم السخرية والاستهزاء وقوله « عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ » أي المسخور منهم قد يكونون خيرا عند اللَّه وأجلّ منزلة وأكثر ثوابا من السّاخرين ، استيناف للعلَّة الموجبة للتحريم ، ولا خبر لعسى هنا لإغناء الاسم عنه « ولا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ » أي لا يسخر نساء من نساء لذلك ، قيل نزلت في عائشة لمّا عابت أمّ سلمة بالقصر . « ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ » أي ولا يعب بعضكم بعضا كقوله « ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » ( 2 ) والتعبير بذلك لأنّ المؤمنين كنفس واحدة أو المراد لا تفعلوا ما تلمزون به بين النّاس بأن تجعلوا أنفسكم عرضة للمز بصدور بعض الأفعال ، فإنّ من فعل ما استحقّ به اللَّمز فقد لمز نفسه ، واللَّمز الطَّعن باللَّسان . « ولا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ » أي ولا يدعو بعضكم بعضا باللَّقب السّوء الَّذي لا يرضى به المدعوّ ، والنبز يختصّ باللَّقب السّوء عرفا ، وإنّما قال « ولا تَنابَزُوا » ولم يقل « ولا تنبزوا » على منوال ولا تلمزوا لأنّ النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالبا فمن نبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلا ، ولا كذلك اللَّمز فانّ الملموز كثيرا ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء ، فيقع اللَّمز من جانب واحد .

--> ( 1 ) الحجرات : 11 - 12 . ( 2 ) النساء : 29 .