الجواد الكاظمي

407

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

والآيتان معترضتان في تضاعيف وصيّة لقمن تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنّه قال : وقد وصّينا بمثل ما وصّى به ، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك ، فإنّهما مع كونهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطَّاعة ، لا يجوز أن يطاعا في الإشراك فما ظنّك بغيرهما . « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ » أي إنّ الخصلة من الإساءة أو الإحسان إن تك في الصغر والقماءة كحبّة الخردل ، وقرأ نافع برفع المثقال على أنّ الهاء ضمير القصّة وكان تامّة وتأنيثها لإضافة المثقال إلى الحبّة ، فإنّ المضاف قد يكتسب من المضاف إليه التّأنيث ، وقد ورد في الأشعار العربيّة ( 1 ) كثيرا أو أنّ التأنيث على المعنى نظرا إلى أنّ المراد به الحسنة أو السيّئة . « فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ » عطف على سابقه ، والمراد أنّها لو كانت في الصّغر كحبّة الخردل ، وكانت في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصّخرة العظيمة فانّ الحبّة فيها أخفى وأبعد من الاستخراج ، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلىّ فلا يرد أنّ الصخرة لا بدّ أن تكون في السّموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرهما ؟ لأنّ في الكلام إضمارا ، والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السماوات والأرض ، ويمكن توجيهه أيضا بأنّ خفاء الشيء إمّا أن يكون لغاية صغره أو لاحتجابه أو لكونه بعيدا ، أو لكونه في ظلمة ، فأشار إلى الأوّل بقوله « مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ » وإلى الثاني بقوله « فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ » وإلى الثالث بقوله « فِي السَّماواتِ » وإلى الرابع بقوله « أَوْ فِي الأَرْضِ » . « يَأْتِ بِهَا اللهُ » يحضرها فيحاسب بها عاملها يوم القيمة ، وفيه مبالغة ليست في

--> ( 1 ) قال ابن مالك في ألفيته : وربما أكسب ثان أولا * تأنيثا ان كان لحذف موهلا وأنشدوا في ذلك : تجنب صديقا مثل ما ، واحذر الذي * يكون كعمرو بين عرب وأعجم فان صديق السوء يزري وشاهدي * كما شرقت صدر القناة من الدم