الجواد الكاظمي

391

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لو فعل الصّغيرة مرّة واحدة غير عازم على العود إليها لم يخرج بذلك عن العدالة ، ولم يحتج إلى التوبة ، وهو المشهور بين الفقهاء ، فإنّ الصّغيرة عندهم لا يقدح في العدالة من دون إصرار ، ولكن في الأخبار ما يدلّ على التوبة منه أيضا كالخبر السابق ، وأنّه بدون التوبة يكون مصرّا وهو الظاهر من القاضي ( 1 ) فإنّه قال : عند قوله « ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا » ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين ، لقوله عليه السّلام ما أصرّ من استغفر ، وإن عاد في اليوم سبعين مرّة ، ونحوه في الكشّاف ( 2 ) . والظاهر أنّ مرادهما بالاستغفار التوبة تفسيرا للإصرار ، فما لم يتب يكون مصرّا ، ولكن يلزم عدم الفرق بين الكبيرة والصغيرة في أنّه لا يغفر إلَّا مع التوبة وبدونها يكون فاسقا ، وهو خلاف المشهور كما عرفت . « وهُمْ يَعْلَمُونَ » قال في مجمع البيان ( 3 ) يحتمل وجوها أحدها أنّ معناه وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين ولا ناسين ، لأنّه تعالى يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه وإن لم يتب منه بعينه عن الجبائيّ والسدّي . وثانيها أنّ معناه يعلمون الحجّة في أنّها خطيئة ، فإذا لم يعلموا أولا طريق لهم إلى العلم به ، كان الإثم موضوعا عنهم ، كمن تزوّج بأمّه من الرضاع أو النّسب وهو لا يعلم به ، فإنّه لا يأثم ، وهذا قول ابن عبّاس والحسن . وثالثها أنّ المراد وهم يعلمون أنّ اللَّه يملك مغفرة ذنوبهم عن الضحّاك ، ولا يذهب عليك أنّ الظاهر من الآية الأوّل ، والجملة حال من فاعل « يصرّوا » قيد للمنفيّ لا للنفي .

--> ( 1 ) البيضاوي ص 89 ط المطبعة العثمانية . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 416 وفي الكاف الشاف أخرجه أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وأخرجه البيضاوي أيضا وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير بالرقم 7822 ج 5 ص 422 فيض القدير وفيه على الحديث شرح مبسوط فراجع . ( 3 ) المجمع ج 1 ص 506 .