الجواد الكاظمي

348

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

ثقة بإسلامه ، إذ لم يسلم من قومه غيره ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، وصعد فلمّا تلاحقوا وكبّروا كبّر ونزل ، وقال لا إله إلَّا اللَّه محمّد رسول اللَّه السّلم عليكم ، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه ، فنزلت ، وقرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم الآية على أسامة فحلف أن لا يقتل رجلا قال لا إله إلَّا اللَّه . وفي الآية دلالة على قبول الايمان ممّن تلفّظ بالشّهادة من غير تعرّض له بكونه قال ذلك عن إكراه أو قصد ، بل على تحريم القول بأنّه ليس بمؤمن ، وعلى أنّ كلمة الشّهادة تحقن مال الرجل ودمه على أيّ وجه حصلت . وقال أكثر الفقهاء : لو قال اليهوديّ والنّصراني أنا مؤمن أو مسلم ، لا يحكم بإسلامه لأنّه يعتقد أنّ الايمان والإسلام هو دينه ، ولو قال « لا إله إلَّا اللَّه محمّد رسول اللَّه » فلا يحصل الجزم بإسلامه ، لأنّ منهم من يقول أنّه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمّدا الَّذي هو الرّسول الحقّ منتظر بعده ، نعم إذا اعترف بأنّ الدين الَّذي كان عليه باطل ، وأنّ الَّذي هو موجود بين المسلمين حقّ قبل منه . وقد يستفاد منها لزوم الأخذ بظاهر الحال من غير تجسّس وتفحّص عن كونه موافقا للواقع أولا ، وقد ورد بالنّهي عن التجسس الكتاب والسنّة بل الإجماع أيضا وظاهر الأمر بالتبيين وتكراره في الآية مرّتين تعظيم للأمر ، وتنبيه على عدم الجرأة في الأمور الَّتي يترتّب عليها ضرر الغير ، وعدم السّرعة فيها ، والاقدام عليها إلَّا بعد التثبّت والتروّي وانكشاف حقيقة الأمر مهما أمكن . ويستفاد منها أيضا أنّ المؤمن لا يخرج عن الايمان بمثل تلك الفعلة [ وإلَّا لخرج زيد بفعله عن الإسلام ولم يخرج ] . وهو صريح في عدم اعتبار العمل في الايمان كما هو القول الصّحيح قال القاضي ( 1 ) وفيه دليل على صحّة إيمان المكره ، وأنّ المجتهد قد يخطئ وأنّ خطأه مغتفر قلت : الدلالة على ذلك غير واضحة ( 2 ) ، فإنّ ظاهر الآية لا يدلّ على كونه مكرها

--> ( 1 ) البيضاوي ص 123 ط المطبعة العثمانية . ( 2 ) وفي سن بدل هذه الجملة هكذا : قلت : الدلالة على الحكم الأول قد مر بيانها - لان « من » في قوله : « لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ » عامة فيشمل المكره وغيره ، لعدم المخصص ، فيثبت الحكم في المكره أيضا ، إلا أن كون القاتل في هذه الصورة إلخ .