الجواد الكاظمي
335
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
الأيدي والأرجل ، ويتركه حتّى ينزف بالدم ويموت ، وسيجئ ما يدلّ عليه ، ولعلّ في التعبير عن القتل بذلك لما في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل إذ هي تصوير القتل بأشنع صورة ، والحكم مخصوص بعدم إسلامهم فلو أسلموا والحالة هذه لم يجز قتلهم ، ولعلّ في الآية إشارة إليه . « حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ » أكثرتم قتلهم وأغلظتموهم من الشّيء الثخين وهو الغليظ ، والمراد عجزهم عن المقاتلة والاستظهار عليهم ، وحصول الظفر بهم من المسلمين ، حتّى لا يمكنهم النّهوض . « فَشُدُّوا الْوَثاقَ » فأسروهم واحفظوهم ، والوثاق بالكسر والفتح اسم لما يوثّق به . « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً » أي فامّا تمنّون عليهم منّا بعد الأسر وتطلقونهم من غير فداء وإمّا تفدون فداء على مال يدفعه الأسير ونحوه ، ويخلص به رقبته من العبوديّة ، وتطلقونهم ، فانتصابهما بفعلين مضمرين . ومقتضى الآية التخيير بين الأمرين بعد تقضّى الحرب ، وأثبت أصحابنا الاسترقاق أيضا ، فخيّروا بين الثلاثة لقيام الدّليل عليه من خارج ، ولا يجوز القتل في هذه الصّورة لعدم ما يدلّ عليه ، وجوّزه الشّافعيّة وحكموا بأنّ الإمام يتخيّر بين أربعة أمور : القتل ، والاسترقاق ، والمنّ ، والفداء ، وهو غير واضح الوجه ، مع كون التفصيل في الآية قاطعا للشركة . وقالت الحنفيّة ليس للإمام المنّ والفداء وإنّما يتخيّر بين القتل والاسترقاق مستدلَّين عليه بأنّ قوله تعالى : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » ( 1 ) ورد بعد قوله « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً » لأنّ آية المنّ نزلت بمكَّة ، وآية القتل نزلت بالمدينة في آخر سورة نزلت وهي براءة ، فيكون ناسخا . ويردّه أنّ النّسخ خلاف الأصل ، أقصى ما فيه ورود العامّ والخاصّ وإذا تعارضا خصّص العامّ بالخاصّ وعمل بالعامّ في غير صورة الخاصّ ، وعمل بالخاصّ
--> ( 1 ) براءة : 5 .