الجواد الكاظمي

319

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

من اندفاع الطَّاري لقيام الباقي ، ثمّ قال : والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع ولا عقاب العاصي . وفيه نظر ، فإنّ إحباط الإيمان بالكفر وبالعكس صريح القرآن كما في الآية الَّتي نحن فيها ، ومن ثمّ اشترط أصحابنا في بطلان العمل الموافاة ، أي الموت على الكفر ، ولا نسلَّم في هذه الصورة استحقاق الثواب على العمل الَّذي أوقعه قبل ، لظهور الكاشف عن عدم الاستحقاق بالموت ، وكذا الكلام لو انعكس الأمر ، فإنّ موته على الإيمان موجب لاستحقاقه الثواب على ما عمله من الطَّاعة بعد الكفر السابق . ولعلّ غرضه من الدليل بيان ما ذكره من عدم الاستحقاق للثواب والعقاب وهو باطل عندنا ، فانّ الآيات مشحونة بالاستحقاق كقوله تعالى : « جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 1 ) « ذلك بما كسبت أيديهم » ( 2 ) ونحوها . ولعلّ مراده من عدم الاستحقاق عقلا عدم الاستحقاق شرعا أيضا فإنّهم لا يجعلون العقل مستقلا في الأحكام بدون الشّرع ، ولأنّ القائل بالاستحقاق العقليّ لم يدّعه عقلا فقط ، من غير شرع ، بل يقول إنّ العقل يحكم به ، والشّرع موافق له كما نطقت به الآيات . وهب أن لا استحقاق للثواب كما قالوه ، بناء على التفضّل منه تعالى بالنسبة إلى العبد ، أو أنّ العبادات الواقعة من العبد شكر على نعمة السابقة ، فهو كأجير أخذ الأجرة قبل العمل ، كما قاله القاضي في غير هذا الموضع ، فأيّ معنى للعقاب بغير استحقاق ، إذ هو ظلم صريح يتحاشى أن يحوم حول كبريائه تعالى ، ولقد التزمت الأشاعرة هذا الظلم بالنّسبة إليه تعالى ، وجوّزوا إدخال الشّيطان وسائر الكفرة المتمرّدة الَّذين لم يطيعوا اللَّه طرفة عين الجنّة ، وجميع الأنبياء الَّذين لم يعصوه طرفة عين النار نعوذ باللَّه من هذا الاعتقاد الكاسد ، والدّين الفاسد . الرابعة : [ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ

--> ( 1 ) الأحقاف : 14 . ( 2 ) لا يوجد بلفظة في القرآن الشريف وبمعناه آيات كثيرة .