الجواد الكاظمي

308

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

في المآل لما فيه من المصلحة المتعلَّقة به ، كما تكرهون الجهاد لما فيه من المخاطرة بالقتل مع أنّ فيه إحدى الحسنيين لكم : إمّا الظفر والغنيمة مع ثواب المجاهدين ، وإمّا الشّهادة والجنّة في المآل كما هو المشهور في أمر الشّهداء . « وعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً » كترك الجهاد مثلا « وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ » لتفويتكم المنافع المترتّبة عليه ، وكذا الكلام في جميع التكاليف والعبادات المقرّبة إلى اللَّه ، والمناهي المبعّدة عنه المهلكة ، ولعلّ ذكر عسى للتّنبيه على أنّه قد يظهر لهم وجه المصلحة في بعض التّكاليف كما يقوله العدليّة بالنّسبة إلى حسن بعض الأشياء ضرورة ، أو نظرا وقبحها كذلك ، أو لأنّ النّفس إذا ارتاضت وتوطَّنت انعكس الأمر عليها . « واللهُ يَعْلَمُ » مصالحكم ومنافعكم « وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » ذلك لقلَّة تدبّركم وكثرة ميولكم إلى مقتضى النّفس ، وفي الآية دلالة على وجوب الجهاد . وقال الطَّبرسي في مجمع البيان ( 1 ) أجمع المفسّرون إلَّا عطا أنّ هذه الآية دالَّة على وجوب الجهاد وفرضه ، وقال عطا : إنّ ذلك كان واجبا على الصّحابة ولم يجب على غيرهم ، وقوله شاذ عن الإجماع ، ويؤيّده أنّ التّخصيص يحتاج إلى دليل والأحكام الواردة في القرآن ، وإن وردت على الخطاب ، إلَّا أنّ التكليف بها شامل للأمّة إلى يوم القيمة ، نعم لو كان هناك دليل يدلّ على الاختصاص وجب الوقوف معه وهو غير ثابت هنا . وبقي الكلام في الوجوب المستفاد منها ، هل هو على الكفاية أو الأعيان ؟ والمشهور بين العلماء أنّه على الكفاية ، بل انعقد الإجماع عليه ، وهو الَّذي أوجب حمل الآية عليه وإلَّا فإطلاق الوجوب ينصرف إلى العين ، وأخذ بعضهم بظاهر ذلك فأوجبه عينا وهو نادر مع تقدّم الإجماع عليه وتأخّره عنه . وفيها أيضا دلالة على أنّ الأحكام تابعة للمصالح وإن خفيت كما اعترف به القاضي ظنّا منه أنّها تتمّ على قولهم بنفي الحسن والقبح العقليّين ، وإنّما يتمّ على قول العدليّة الذّاهبة إلى أنّ الأحكام تابعة للمصالح الثّابتة في الأفعال ، وأنّ حسنها

--> ( 1 ) المجمع ج 1 ص 311 .