الجواد الكاظمي
294
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
الْبَيْتِ وإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ( 1 ) . « وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا » يريد البلد وهو مكَّة « بَلَداً آمِناً » أي ذا أمن كقوله : « عِيشَةٍ راضِيَةٍ » ( 2 ) أو آمنا أهله كقولك « ليل نائم » قيل والمراد به أنّه إذا دخل إليه المجرم في غيره لجناية لم يجز لأحد التعرّض له كما مرّ ، ولا يصاد طيره ولا يقطع شجره ، ولا يختلى خلاه ، ويؤيّده ما روى عن الصّادق عليه السّلام « من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط اللَّه ، ومن دخله من الوحش والطَّير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم ( 3 ) وعلى هذا فيمكن الاستدلال بها على هذه الأحكام . ويلزم منه تحريم الصّيد على المحلّ إن كان في الحرم كما هو ثابت بالإجماع بمعنى أنّه لا يجوز اصطياده فيه ، أمّا لو صيد في الحلّ وذبح هناك وأدخل الحرم مذبوحا جاز للمحلّ أكله في الحرم ، وقد تظافرت الاخبار بذلك ( 4 ) ، ولو أدخله حيّا وجب إرساله لدخوله الأمن وذلك ثابت بإجماعنا أيضا وبذلك تظافرت الأخبار ( 5 ) أيضا . ووجه الدّلالة أنّه تعالى حقّق دعوته في ذلك وحرّم مكَّة بدعائه عليه السّلام وقبله كانت كسائر البلاد ، وقد روي ( 6 ) عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنّه قال « إنّ إبراهيم حرّم مكَّة
--> ( 1 ) البقرة : 126 و 127 . ( 2 ) الحاقة : 21 . ( 3 ) قد مر في ص 104 من هذا الجزء بمصادره . ( 4 ) انظر الوسائل الباب 5 من أبواب تروك الإحرام ج 2 ص 254 ط الأميري . ( 5 ) تراها في خلال أبواب تروك الإحرام وأبواب كفارات الصيد . ( 6 ) انظر الحديث بطرقه المختلفة وألفاظه المتفاوتة في سنن البيهقي ج 5 ص 197 وص 198 والمنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 32 وص 33 وصحيح مسلم بشرح النووي ج 9 من ص 134 إلى ص 151 والبخاري بشرح فتح الباري ج 6 ص 424 وص 427 باب الخدمة في الغزو من كتاب الجهاد وج 7 ص 219 كتاب الأنبياء باب قول اللَّه واتخذ اللَّه إبراهيم خليلا ج 11 باب الحبس من كتاب الأطعمة . وأخرجه في الجامع الصغير بلفظ اللهم ان إبراهيم بالرقم 1495 ج 2 ص 126 فيض القدير عن مسلم وبلفظ « ان إبراهيم » بالرقم 2159 ص 406 عن أحمد ومسلم وبلفظ « أنى حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة » ج 3 ص 17 بالرقم 2638 عن أبي سعيد وظاهر عبارة المصنف أن الحديث نبوي تفرد بنقله أهل السنة وليس كذلك بل رواه أصحابنا أيضا ففي التهذيب ج 6 ص 12 بالرقم 23 عن أبي عبد اللَّه قال رسول اللَّه ( ص ) ان مكة حرم اللَّه حرمها إبراهيم عليه السّلام وان المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم لا يعضد شجرها وهو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير ، وليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا ولا يؤكل ذاك ، والحديث في الكافي ج 1 ص 319 باب تحريم المدينة الحديث 5 وفي المرآة ج 3 ص 358 وحكاه في المنتقى ج 2 ص 620 والوافي الجزء الثامن ص 206 والوسائل الباب 17 من أبواب المزار الحديث 1 ج 2 ص 383 ط الأميري . ثم عاير ووعير على ما في كتب أصحابنا جبلان يكتنفان المدينة شرقا وغربا وعبر في الحديث بظلهما ، تنبيها على أن الحرم ما بينهما والجبلان خارجان عن حد الحرم والمراد ما أظل عليه كل من هذين الجبلين . ووعير ضبطه في الدروس بفتح الواو وفي المسالك وقيل بضمها وفتح العين المهملة وقال المحقق الثاني في جامع المقاصد وجدته مضبوطا في مواضع متعددة بضم الواو وفتح العين المهملة وفي كشف اللثام كذا وجدته بخط بعض الفضلاء وفيه وفي خلاصة الوفاء عير ويقال عاير جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة ولم يذكر وعير في معجم البلدان ومراصد الاطلاع . وفي أخبار أهل السنة عند تحديد حرم المدينة أنه ما بين عير وثور ، وفي بعضها عاير مكان عير ، ولما كان ثور اسم جبل بمكة فيه الغار الذي اختفى فيه النبي ( ص ) اضطرب كلمات المحدثين فضرب بعضهم على كلمة ثور وترك بعض الرواة موضع ثور بياضا وأبهم البخاري في روايته فقال من كذا إلى كذا أو عائر إلى كذا ، وأمثاله وقال أبو عبيدة أصل الحديث من عير إلى أحد ، وقال مصعب الزبيري لا يعرف بالمدينة جبل يقال له عير ولا عاير ولا ثور ، وقال بعض سمى النبي ( ص ) الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا . وقيل إن عيرا جبل بمكة فيكون المراد أن حرم المدينة مقدار ما بين عير وثور الذين بمكة أو حرم المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف ويؤيد أن عيرا أيضا جبل بمكة لامية أبي طالب المعروفة ، وفيها . وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وعير وراق في حراء ونازل . فإنه ذكر فيها جبال مكة وذكر فيها عيرا والعير بفتح العين انظر تفصيل ما تلوناك في المرآة ج 3 ص 358 والمدارك ص 430 وسائر كتب الفقه مبحث حرم المدينة وكذا فتح الباري وشرح النووي على صحيح مسلم ونيل الأوطار بحث حرم المدينة ومعجم البلدان كلمة ثور وعاير ووعير . ولابتا المدينة حرتاها اللتان تكتنفان بها قال في المدارك والحرتان موضعان ادخل منهما نحو المدينة وهما حرة ليلى وحرة وأقم بكسر القاف وأصل الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء الأرض التي فيها الحجارة السود انتهى . والعضد القطع ، والبريد أربعة فراسخ ، قال صاحب المعالم في منتقى الجمان بعد نقله الحديث المار ذكره ، وفي متنه نوع حزازة ومحصل معناه أن حرم المدينة بريد لا يعضد شجره ويوكل صيده .