الجواد الكاظمي
265
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
قطعا ، لأنّه أقرب في اللَّزوم ، وقد وقع التّنبيه عليه في الخبر هذا . وفي الآية دلالة على اعتبار الإسلام في الحكمين لظهور قوله « منكم » في ذلك فلا يكفى العدل في مذهبه ، مع أنّ في صدقه على غير المسلم بعدا ، ولفظة « منكم » للتّبعيض لأنّ الجميع ليسوا عدولا ، والظاهر أنّ المراد بهما الشاهدان وإن كان لفظ الحكم يشعر بأنّ المراد بهما الحاكم ، لأنّ التعدّد غير معتبر فيه . وعلى هذا فيكفي الشاهدان وإن لم يكن هناك حاكم ، وإطلاق الحكم على الشّهادة غير عزيز في الكلام ، ولو حكم العدلان بأنّ للصّيد غير المنصوص مثلا من النعم وجب الرّجوع إلى قولهما فيه لإطلاق الآية ولا ينافيه ورود الأخبار ( 1 ) بثبوت القيمة لما عدا المنصوص ، لأنّ ذلك محمول على ما عدا ذلك الفرد الَّذي حكم به العدلان ولو حكم عدلان بأنّ له مثلا وآخران بأنّه لا مثل له ، فالأخذ بقول الأوّلين ، ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصحّ الوجهين أنّه يتخيّر بينهما ، ويحتمل أن يأخذ بالأغلظ هذا . وقد روى الشيخ في التهذيب ( 2 ) عن زرارة قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قول اللَّه
--> ( 1 ) انظر الباب 1 من أبواب كفارات الصيد من الوسائل ج 2 ص 271 ط الأميري وص 126 مستدرك الوسائل . ( 2 ) أقول : هكذا في نسخنا المخطوطة من مسالك الأفهام ، والحديث الذي رواه في التهذيب انما هو عن زرارة عن أبي جعفر وليس فيه قصة تخطئة الكتاب ، ولفظ الحديث على ما في زيادات القضايا والأحكام ج 6 ص 314 الرقم 867 هكذا : عنه ( أي محمد بن الحسن الصفار ) عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عز وجل : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ » فالعدل رسول اللَّه والإمام من بعده يحكم به وهو ذو عدل ، فإذا علمت ما حكم به رسول اللَّه ( ص ) والإمام فحسبك ولا تسأل عنه . وقد حكاه عن التهذيب في نور الثقلين ج 1 ص 560 بالرقم 370 والبرهان ج 1 ص 503 الرقم 12 وقلائد الدرر ج 2 ص 103 والصافي ص 139 ط الخوانساري والوافي الجزء التاسع ص 136 والوسائل الباب 7 من صفات القاضي الحديث 26 ص 376 ج 3 ط الأميري . ولم أظفر على حكاية الحديث عن التهذيب غير ذلك حتى يحتمل أن يكون في النسخة المطبوعة سقط أو تصحيف ، وانما روى قصة تخطئة الكتاب في الكافي ففيه في الباب 115 نوادر من أحكام الصيد الحديث 3 ج 1 ص 274 : علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم عمر اليماني عن أبي عبد اللَّه قال سألته عن قول اللَّه عز وجل : « ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » قال العدل رسول اللَّه والإمام من بعده ، ثم قال وهذا مما أخطأت به الكتاب . والحديث 5 منه : محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللَّه عز وجل : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » قال العدل رسول اللَّه ( ص ) والإمام من بعده ، ثم قال هذا مما أخطأت به الكتاب . والحديثان في المرآة ج 3 ص 317 ووصف المجلسي الأول بالحسن والثاني بالموثق ، وقد عرفت حال إبراهيم بن هاشم وإبراهيم بن عمر اليماني الواقعين في طريق الأول ، فهو كالصحيح ونقلهما في المنتقى ج 2 ص 446 وقلائد الدرر ج 2 ص 103 . وفي روضة الكافي ص 205 ط الآخوندي أيضا حديث بالرقم 247 : علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان قال تلوت عند أبي عبد اللَّه : « ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » فقال « ذو عدل » هذا مما أخطأت به الكتاب وهو في المرآة ج 4 ص 338 وترى أحاديث الكليني الثلاثة في نور الثقلين ج 1 ص 560 وص 561 والبرهان ج 1 ص 503 والوافي الجزء الثامن ص 121 . وفي العياشي أيضا أخبار بهذا المضمون ففي ج 1 ص 343 بالرقم 197 : وفي رواية حريز عن زرارة قال سئلت أبا جعفر عن قول اللَّه : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » قال العدل رسول اللَّه ( ص ) والإمام من بعده وهذا مما أخطأت به الكتاب . وفي ص 344 بالرقم 198 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر في قول اللَّه : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » يعنى رجلا واحدا ، وبالرقم 200 عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر يقول « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » قال : ذلك رسول اللَّه ( ص ) والإمام من بعده ، فإذا حكم به الإمام فحسبك ، ونقل أحاديث العياشي في البحار ج 21 ص 36 والبرهان ج 1 ص 504 ونور الثقلين ج 1 ص 561 . قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل أحاديث تخطئة الكتاب ، بيان : يعنى أن رسم الألف في ذو عدل من تصرف النساخ والصواب محوها ، لأنها تفيد أن الحاكم اثنان والحال أنه واحد وهو الرسول في زمانه ثم كل إمام في زمانه على سبيل البدل انتهى . ونقل في المجمع ج 2 ص 242 قراءة « ذو عدل » عن الباقر والصادق ثم نقل في الحجة عن أبي الفتح انه لم يوحد لان الواحد يكفى ، لكنه أراد معنى « من » أي يحكم به من يعدل . ومن يكون للاثنين كقوله « تكن مثل من يا ذهب يصطحبان » . ثم قال : وأقول : ان هذا الوجه الذي ذكره ابن جنى بعيد غير مفهوم ، وقد وجدت في تفسير أهل البيت منقولا عن السيدين ( ع ) أن المراد بذي العدل رسول اللَّه وأولو الأمر من بعده ، وكفى بصاحب القراءة خبرا بمعنى قرائته انتهى ما في المجمع ، ونقل قراءة السيدين ( ع ) ذو عدل وتفسيره بالإمام أيضا في كنز العرفان ج 1 ص 325 . أقول ويتوافق القرائتان على هذا المعنى إذ على قراءة ذوا عدل بالتثنية يكون المراد الرسول والإمام ، والمعنى انه يحكم بالمماثلة النبي ( ص ) والإمام الموصوفان بالعدل والاستقامة في جميع الأقوال والأفعال ، وعلى القراءة الأخرى بصيغة المفرد يكون المراد واحدا من الحجج على البدل ، الذين يعلمون الاحكام بالوحي والإلهام وحكم كل حكم الأخر بلا اختلاف ، ولذلك ترى أنهم قد بينوا لنا في الاخبار مماثل أكثر الصيد ، ولم يكلوه إلى أفهامنا ففي النعامة بدنة وحمار الوحش وشبهه بقرة ، وفي الظبي شاة ، والمماثلة التي يفهمها الناس ليست في كثير منها كالحمامة والشاة . ثم أقول إن زيادة الألف في رسم المصاحف ليست بعزيزة كما ترى اتفاق المصاحف في رسم « لأَذْبَحَنَّهُ » الآية 21 من سورة النمل بزيادة الألف ، وفي أكثر المصاحف رسم « لأَوْضَعُوا » الآية 47 من سورة التوبة بالألف ، وفي بعض المصاحف « لإِلَى الْجَحِيمِ » الآية 68 من سورة الصافات ، و « لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ » الآية 158 من سورة آل عمران بالألف وكذا زادوا الألف بعد يرجوا ويدعوا وكذا في أولوا الألباب وملاقوا ربهم وبنوا إسرائيل : انظر البرهان للزركشي ج 1 ص 381 إلى ص 386 والفرقان لابن الخطيب من ص 57 إلى ص 91 وتاريخ القرآن لمحمد طاهر بن عبد القادر المكي من ص 93 إلى ص 157 ومباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح من ص 103 إلى ص 112 والقاعدة الثانية من النوع السادس والسبعين من الإتقان للسيوطي ج 2 ص 168 ومناهل العرفان للزرقاني ج 1 ص 363 ونثر المرجان للاركاتى عند شرح الآيات التي زيدت في كلماتها الألف وسائر الكتب المرتبطة . قال ابن درستويه : خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط تقطيع العروض فيكون رسم الألف هنا مع صحة قراءة « ذو » الثابتة عن الإمامين السيدين عليهما السّلام مثل الألف في « لأَذْبَحَنَّهُ » وغيره . ثم إنه لا يبعد أيضا أن يكون معنى الكتاب في قول الإمام « وهذا مما أخطأت به الكتاب » العلماء ، استعمالا للكاتب بمعنى العالم ، ويكون المراد من العلماء القراء بمعنى انهم قرأوا « ذَوا » بصورة التثنية متابعة للرسم خطأ ، ولا يلزم مطابقة القراءة للرسم كما في « لأَذْبَحَنَّهُ » أو يكون المراد بالعلماء المفسرين بمعنى أنه وان قرئ « ذَوا » بصورة التثنية الا أن المراد مع ذلك الرسول والإمام ، لا رجلان يشهدان بالتماثل ، فتفسيرهم بالرجلين يشهدان بالتماثل خطأ . ثم لو فرضنا أن المراد بالكتاب كتاب المصاحف العثمانية فليس تخطئتهم بأمر مستوحش فإنهم كانوا قاصرين في فن الكتابة فجائت الكتبة الأولى ببعض أخطاء كما في زيادة الألف بعد ذو هنا ، وقد أفصح عنه الإمامان السيدان عليهما السّلام ، وببعض مناقضات كما في « لأَذْبَحَنَّهُ » وقد رسموه بالألف ، ورسموا « لأُعَذِّبَنَّهُ » في نفس الآية بغير الألف ، وليس هذا غمطا لحقهم ولا انتقاصا لفضلهم ، ففيهم من نعرف منهم الفضل والنبل والسبق في الخيرات والمكرمات ، لكنهم كانوا أميين قبل ذلك ، فعدم بلوغ بعض الافراد من أمة قد اتسمت بالأمية وصارت الأمية اسما لها وعلما عليها الدرجة المطلوبة والغاية المرجوة في علم الهجاء وفن الكتابة ليس بغير معقول ، ويستسيغ العقل قطعا كونهم عرضة للخطأ في وضع رسم الأحرف والكلمات .