الجواد الكاظمي
197
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
والعدل ونحوها تصريح بذلك ، فيكون كاثبات الشّيء ببيّنة وبرهان . وفي الكشاف حثّ اللَّه تعالى على الخير عقيب النهي عن الشرّ ، وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ، ومكان الفسوق البرّ والتّقوى ، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتّى لا يوجد منهم ما نهوا عنه ويؤيّده قوله « وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتّقاء القبائح والمعاصي ، فإنّ خير الزّاد اتّقاؤها انتهى ، والتعميم أولى ، والآية تؤيّده أيضا فإنّ التّقوى فعل الطَّاعات وترك المعاصي ، ولا يبعد كون الخطاب للعموم وإن كان بعد ذكر الحاجّ الفارض للحجّ . ولعلّ إيراد ذلك عقيبه للتّنبيه ( 1 ) على أنّ الإنسان مسافر من الدّنيا إلى الآخرة فليتزوّد إليها بالطَّاعة فإنّ الحاجّ إذا كان مع سفره القصير لا بدّ له من أن يأخذ زادا لذلك السّفر ، وأنّه إذا لم يأخذه هلك من الجوع ، فما ظنّك بالسّفر الطَّويل البعيد ، فانّ احتياجه إلى الزّاد أهمّ . ( 2 ) وبيّن تعالى أنّ الزّاد النّافع في ذلك الطَّريق هو التّقوى ، وفي إيراد الجملة مؤكَّدة بانّ وتعريف الخبر باللَّام تنبيه على أنّ الحكم كذلك على التحقيق ، فلا يدخل في قلب أحد الشكّ فيه . وقيل : إنّ الآية نزلت في أهل اليمن ( 3 ) كانوا يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون
--> ( 1 ) وفي سن : على أن الإنسان له سفران : سفر في الدنيا وسفر من الدنيا ، فالسفر من الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال ، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضا من زاد وهو معرفة اللَّه ومحبته والاعراض عما سواه وإذا كان الإنسان مسافرا من الدنيا إلى الآخرة فليتزود إلخ . ( 2 ) وزاد في سن : [ بل نقول زاد الآخرة خير من زاد الدنيا لان زاد الآخرة يخلص من عذاب متيقن دائم بخلاف زاد الدنيا فإنه يخلص من عذاب موهوم منقطع ، ولان الدنيا في كل ساعة في أدبار ، والآخرة في إقبال : والاستعداد للمقبل أولى من المدبر ] . ( 3 ) رواه في صحيح البخاري ج 1 ص 265 والسيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 221 .