محمد الريشهري
330
موسوعة الأحاديث الطبية
تَشريفاً وتَفضيلاً عَلَى البَهائِمِ ؛ فَإِنَّهُ خُلِقَ يَنتَصِبُ قائِماً ويَستَوي جالِساً لِيَستَقبِلَ الأَشياءَ بِيَدَيهِ وجَوارِحِهِ ويُمكِنُهُ العِلاجُ وَالعَمَلُ بِهِما ، فَلَو كانَ مَكبوباً عَلى وَجهِهِ كَذاتِ الأربَعِ ، لَمَا استَطاعَ أن يَعمَلَ شَيئاً مِنَ الأَعمالِ . . . لِمَ حَمَلَ الإِنسانُ عَلى فَخِذَيهِ وَأليَتَيهِ هذَا اللَّحمَ ؟ إلاّ لِيَقِيَهُ مِنَ الأَرضِ فَلا يَتَأَلَّمُ مِنَ الجُلوسِ عَلَيهِما ، كَما يَألَمُ مَن نَحَلَ جِسمُهُ وقَلَّ لَحمُهُ إذا لَم يَكُن بَينَهُ وبَينَ الأَرضِ حائِلٌ يَقيهِ صَلابَتَها . . . فَكِّر في أبنِيَةِ أبدانِ الحَيَوانِ وتَهيِئَتِها عَلى ما هِيَ عَلَيهِ ، فَلا هِيَ صِلابٌ كَالحِجارَةِ ولَو كانَت كَذلِكَ لا تَنثَني ولا تَتَصَرَّفُ فِي الأَعمالِ ، ولا هِيَ عَلى غايَةِ اللّينِ والرَّخاوَةِ فَكانَت لا تَتَحامَلُ ولا تَستَقِلُّ بِأَنفُسِها ، فَجُعِلَت مِن لَحم رَخو تَنثَني تَتَداخَلُهُ عِظامٌ صِلابٌ يُمسِكُهُ عَصَبٌ وعُروقٌ تَشُدُّهُ ويُضَمُّ بَعضُهُ إلَى بَعض ، وغُلِّفَت فَوقَ ذلِكَ بِجِلد يَشتَمِلُ عَلَى البَدَنِ كُلِّهِ . ومِن أشباهِ ذلِكَ هذِهِ التَّماثيلُ الَّتي تُعمَلُ مِنَ العيدانِ وتُلَفُّ بِالخَرقِ وتُشَدُّ بِالخُيوطِ ويُطلى فَوقَ ذلِكَ بِالصَّمغِ ، فَيَكونُ العيدانُ بِمَنزِلَةِ العِظامِ ، وَالخَرقُ بِمَنزِلَةِ اللَّحمِ ، وَالخُيوطُ بِمَنزِلَةِ العَصَبِ وَالعُروقِ ، وَالطِّلا بِمَنزِلَةِ الجِلدِ ، فَإِن جازَ أن يَكونَ الحَيَوانُ المُتَحَرِّكُ حَدَثَ بِالإِهمالِ مِن غَيرِ صانِع جازَ أن يَكونَ ذلِكَ في هذِهِ التَّماثيلِ المَيِّتَةِ ، فَإِن كانَ هذا غَيرَ جائِز فِي التَّماثيلِ فَبِالحَرِيِّ ألاّ يَجوزَ فِي الحَيَوانِ . . . فَالإِنسُ لَمّا قَدَروا أن يَكونوا ذَوي ذِهن وفِطنَة وعِلاج لِمِثلِ هذِهِ الصِّناعاتِ مِنَ البِناءِ وَالتِّجارَةِ وَالصِّياغَةِ وغَيرِ ذلِكَ ، خُلِقَت لَهُم أكُفٌّ كِبارٌ ذَواتُ أصابِعَ غِلاظ ؛ لِيَتَمَكَّنوا مِنَ القَبضِ عَلَى الأَشياءِ ، وأوكَدَها ( 1 )
--> 1 . وأوكدها : أي أوكد الأشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات . ويحتمل إرجاع الضمير إلى جنس البشر فيكون فعلاً ؛ أي : ألزَمَها أو ألهَمَها هذه الصناعات . ولا يبعد إرجاعه إلى الأكفّ أيضاً ( بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 95 ) .