الشيخ حسن الجواهري

53

بحوث في الفقه المعاصر

ثم يأتي دور الدين : ( الرسالة ) فيرسم للانسان كل معالم حياته الفردية والاجتماعية ، ويرسم له الحلول لمشكلاته حتى يصل نحو الكمال الذي أراده الله للانسانية ، قال تعالى : ( وما خلقت الإنس والجن إلاّ ليعبدون ) أي يعرفون . وهذا هو الانسجام الكامل بين الدين والفطرة الانسانية ، فالفطرة والعقل ( النبي الباطن ) يرشد إلى خالق الكون ، ثم يأتي دور النبي الظاهر الذي يبلّغ الخطة الإلهية للانسان . إذن ليس العقل هو كل شيء في الحياة وإنما هو سراج يكشف عن وجود خالق يهدي من في هذا الكون ، لطفاً بهم وإنعاماً عليهم . نعم : قد يأمر الدين بما يأمر به العقل ، ولكن هذا لا يعني مصدرية العقل في كل الأمور بقدر ما هو انسجام العقل مع الدين . ومع هذا يبقى للعقل مجاله الواسع في إلا بداع والابتكار العلمي وفي مجال إلا بداع التشريعي في الجوانب المتغيرة من حياة الناس ، وكذا يكون له مجال في أسلوب التطبيق فيما إذا كان الحكم الشرعي كليّاً له مصاديق متعددة . فلا يعطّل العقل الانساني فيما إذا أُقيمت الحياة على أساس من الشريعة الإلهية ، وإنما تسدّ الشريعة عجز العقل الانساني في حل مشاكل الحياة ، فإننا نعلم بأن الانسان العاقل يجهل الكثير كما قال القرآن الكريم : ( وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا ) بل يجهل الانسان ذاته ، قال تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن للعقل الانساني أن يتغلب على نقائصه ويكون هو الأساس في حل مشاكل الحياة ؟ وبهذا الذي تقدم ينهار الدليل الأول وهو أسبقية العقل من الوحي