الشيخ محمد تقي الآملي
424
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى
وظهر مما ذكرنا ان منشأ داعوية الأمر بنفسه هو معرفة العبد بكون المولى أهلا للعبادة وإن ما هو الداعي في الحقيقة هو تلك المعرفة ، وإنه فيما لا يحتاج عباديته إلى أمر المولى تتمشى العبادة من العبد - بتلك المعرفة - بإتيان ما هو مصداق العبادة ولو لم يكن أمر في البين ، وبالحقيقة ان الأمر دخيل في صيرورة متعلقة عبادة إذا أتى بداعي امتثاله ، وإن الداعي للامتثال هو معرفة العبد ان المولى أهل لأن يعبد ، وتتفاوت درجات العبادة في ذلك بتفاوت معارفهم حتى تنتهي إلى درجة مولى المتقين صلوات اللَّه عليه - الذي قال : « ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ، بل وجدتك أهلا للعبادة » : ومما ذكرنا ظهر ان في داعوية الأمر بنفسه مع قطع النظر عن علله ومعلولاته أعلى مراتب العبودية ، وإن الإتيان بذلك الداعي هو عبادة الأحرار ، وإن الإتيان بداعي كون المولى أهلا للعبادة في طول الإتيان بداعي امتثال أمره . وإن الحاجة في الإتيان بداعي أهلية المولى إلى الإتيان بداعي امتثال أمره انما هي لأجل صيرورة المأتي به عبادة فيما يحتاج عباديته إلى الإتيان بداعي امتثال أمره . المقام الثاني : في محركية الأمر بعلته ، واعلم أن كون الأمر بعلته محركا للعبد يتصور على نحوين ، أحدهما : ان يكون الملاك وما هو باعث لأمر المولى من حيث إنه علة وسبب لأمر المولى محركا للعبد في إتيان متعلق أمره ، بحيث لو لم يكن هناك أمر للمولى مسببا ومنبعثا عن تلك العلة لما كانت العلة بنفسها محركة للعبد ، ولازم ذلك انحصار محركية غرض المولى ( حينئذ ) بما صدر منه الأمر بذاك الذي فيه غرض المولى ، وهذا يرجع إلى محركية الأمر ، إذ ما لم يكن أمر حينئذ لا يتحرك العبد بمجرد معرفته بغرض المولى كما هو المفروض وثانيهما : ان يكون الملاك بما هو مع قطع النظر عن انبعاث الأمر منه - بل مع عدم صدور الأمر منه - كافيا في التحريك بحيث يتحرك العبد نحو العمل عن علمه بملاك الأمر مع عدم الأمر ، كما في الضد المبتلى بالأهم وفي صحة العمل بداعي ملاك الأمر مع عدم الأمر خلاف ، والمختار عند صاحب الجواهر ( قده ) هو العدم ، واستدل له بان تحقق العبادة منوط بصدق الإطاعة ، وهي