الشيخ حسن الجواهري
162
بحوث في الفقه المعاصر
ولكي تكون المضاربة بدلا عن الربا يحتاج صاحب المال إلى ضمان ماله من الضياع والخسارة ، فهل هناك طريق لضمان المال لصاحبه ؟ ضمان ودائع الاستثمار بطرق تتلائم مع أحكام المضاربة الشرعية : قد يحتاج أصحاب الودائع التي توضع في البنوك الإسلامية على أساس المضاربة الشرعية إلى عنصر الاطمئنان على أموالهم من الضياع ، ليكون عاملا مشجِّعاً للركون إلى المضاربة وترك الربا الذي يكون رأس المال فيه مضموناً لدى البنوك الربوية ، فهل هناك طريقة لاطمئنانهم على أموالهم في حالة الخسارة ؟ الجواب : أنّ عملية المضاربة في البنوك الإسلامية تكون على أقسام : القسم الأول : أن يكون المضارَب هو نفس البنك . القسم الثاني : أن يكون المضارَب هو جماعة من التجار يكون البنك وسيطاً بينهم وبين أصحاب الأموال . القسم الثالث : أن يكون المضارَب هو جماعة من التجار بما فيهم البنك . ففي القسم الأول يكون مقتضى القاعدة الأولية جواز جعل المال على عهدة البنك بعقد مستقل ، أو بشرط في ضمن عقد بنحو ( شرط النتيجة ) ( 1 ) أو شرط
--> ( 1 ) المراد من شرط النتيجة هنا الذي يحكم بصحته هو تحصيل الغاية التي لا يشترط في ايجادها سبب خاص - كالنكاح والطلاق الذي اشترط الشارع فيهما صيغة خاصة - مثل الوصية والوكالة ، كما إذا زوجت المرأة نفسها للزوج بشرط أن تكون وكيلة ومأذونة في طلاق نفسها مطلقاً أو في موارد خاصة كحبس الزوج مدّة معينة ، فالمشروط هنا هو نفس الوكالة ، وكذا إذا اشترطت أن تكون وصية الزوج بالنسبة لثلث ماله أو على أطفاله وكذا إذا اشترط شخص في هبته سقوط الخيار في النكاح ، فهذه الشروط التي هي « شروط نتيجة » هي شروط صحيحة ووردت فيها نصوص شرعية : 1 - رواية الحلبي في الباب 6 من الخيار حديث 4 ، ج 12 من الوسائل : ص 353 . ورواية موسى بن بكر الباب 30 من أبواب أحكام الإجارة : ج 13 ، ص 277 من الوسائل ، ح 5 . 2 - رواية معاوية بن ميسرة باب 8 من الخيار حديث 3 ، ج 12 من الوسائل : ص 355 ، ورواية يعقوب بن شعيب باب 29 من أحكام الإجارة حديث 15 ، ج 13 ، ص 275 . 3 - صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل كان له أب مملوك وكانت لأبيه امرأة مكاتبة قد أدت بعض ما عليها فقال لها ابن العبد : هل لك أن أُعينك في مكاتبتك حتى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك ؟ قالت : نعم ، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك ، قال : لا يكون لها الخيار ، المسلمون عند شروطهم » . وسائل الشيعة : ج 16 ، ب 11 من المكاتبة ، ح 1 . ولكنّ هذه الأدلّة قد يقال : إنّها مختصّة بهذه الأمثلة التي جاء الدليل الخاص على عدم احتياجها إلى سبب خاص ، وحينئذ تبقى عندنا غايات نشك في اعتبار سبب خاص لها شرعاً ، فهل تصح إذا اشترطت على نحو شرط النتيجة ؟ الجواب : قد يستدل لصحة شرط النتيجة بالمعتبرة « المسلمون عند شروطهم » لأنّها تشمل الشرط إذا كان فعلا أو كان الفعل مترتباً على الشرط ، كما إذا اشتريت بيتاً بشرط أن تكون الثلاجة المعينة هبة لي ، فالمسلمون عند شروطهم يقول : ادفع الثلاجة إلى فلان ، وهو معنى صحة شرط النتيجة ( * ) ، وعلى هذا فالمسلمون عند شروطهم يشمل المشروط الذي يكون حصوله وإنشاؤه بغير الشرط صحيحاً ، وبالشرط لازماً . كما قد يستدل على صحة شرط النتيجة ب « أوفوا بالعقود » لأنّ البيع الذي شرط فيه ملكية الثلاجة المعينة معناه الالتزام بأصل المعاملة والالتزام بالأمر الوضعي ، وبما أنَّ الشرط قد دخل تحت عنوان العقد فأوفوا بالعقود يقول : فِ بالعقد والشرط ، فيكون الشرط صحيحاً . ( * ) قد يقال : إنّ هذا الاستدلال غير صحيح ، لأنّ حديث المسلمون عند شروطهم مقيّد بجملة « إلاّ شرطاً خالف كتاب الله ، أو إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالا » وعلى هذا فالشرط الذي هو عبارة عن تحصيل الغاية كالهبة والملكية من دون إنشاء أو أن الغاية إذا كانت عبارة عن الملكية بدون عوض ولا مجاناً وإنما بالشرط فهل يكون هذا مخالفاً للكتاب والسنة أم لا ؟ وعلى هذا فلا يمكن التمسّك ب « المسلمون عند شروطهم » ، لأنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية لعنوان المخصّص . وقد أجاب الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) عن هذا الاشكال وخلاصته : امكان اخراج المشكوك عن عنوان المخصّص بواسطة الأصل العملي ، وتقريب ذلك : أنّ الهبة والملكية بدون انشاء - مثلا - كان غير مخالف للكتاب والسنة ولو قبل الكتاب والسنة ، والآن لا نعلم أنّه مخالف للكتاب والسنة أم لا ، فنستصحب عدم المخالفة ، فالشرط في ضمن العقد « وهو أن يكون هذا ملكي بدون انشاء في عقد ما مثلا » وجداني ، وكونه غير مخالف بالأصل ، فالموضوع محرز . وقد أشكل جماعة على الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) : بأن الاستصحاب غير صحيح ; وذلك لأنّ الحالة السابقة هي سالبة بانتفاء الموضوع ، بمعنى أن الشرط حينما كان غير مخالف للكتاب والسنة لم يكن الشرط موجوداً ، ولكن موضوع وجوب الوفاء هو سالبة بانتفاء المحمول ( السالبة المحصلة ) بمعنى وجود الشرط وعدم مخالفته للكتاب والسنة ، وهذه السالبة المحصلة ليست لها حالة سابقة ، وحينئذ إذا أردنا استصحاب السالبة بانتفاء الموضوع لاثبات السالبة بانتفاء المحمول يكون أصلا مثبتاً . وقد ردّ الشيخ النائيني ( قدس سره ) هذا الإشكال بما لا يسع المقام لذكره في مثل هذه الأبحاث ، فنكتفي بهذا .