الشيخ حسن الجواهري
144
بحوث في الفقه المعاصر
تسلّم المبيع ولا البائع من تسليمه ، فيحدث الغرر في البيع ; لأنّ البيع إنّما حصل على أن يكون التسليم حالا ، بينما البائع غير قادر على التسليم حالا ، ولا يعلم متى يتمكّن من التسليم ، لأنّ العبد غير معروف زمن رجوعه إن كانت عنده نيّة إلى الرجوع ، كما لم يعلم أيرجع الجمل الشارد إلى صاحبه أم لا ؟ فيحصل الغرر من هذه المعاملة ، وليس المراد منه النهي عن « بيع الصفة في الذمّة » ، ولذا قد أُجيز بيع السلم إلى الأجل ، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال ، ولكن جوّزه الفقهاء بالاتفاق ، كما أنّه ليس المراد من « لا تبع ما ليس عندك » هو النهي عن « بيع غير الموجود التابع للموجود » مثل بيع الثمار بعد بدوِّ صلاحها ، إذ أن هذا جائز بالاتفاق أيضاً كما يجوز بيع المقاثي والمباطخ . ثالثاً : وأمّا حديث النهي عن « بيعتين في بيعة » فقد وردت عدّة روايات تنهى عن بيعتين في بيعة ، أو عن شرطين في بيع ، أو صفقتين في صفقة ، ولكنّ الكلام في معنى هذه الروايات وشمولها لما نحن فيه . وقد فسّر الشافعي البيعتين في بيعة على نحوين : 1 - أن يقول بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا . 2 - أن يقول : بعتك هذا العبد - مثلا - بألف على أن تبيعني أو فلان يبيعني الدار بكذا ، أو يقول : أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا ، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري ( 1 ) . أمّا التفسير الأول فهو الصحيح ، لأنّ البيع يكون باطلا ; لتردّد الثمن عند العقد ، بل لم يحصل قصد إلى أحدهما بالخصوص . وأمّا التفسير الثاني للشافعي فهو لا يبطل المعاملة ، لأنّه من قبيل الالتزام في الالتزام ، فيشمله قوله ( عليه السلام ) : « المؤمنون عند شروطهم » الذي تقدم ذكره .
--> ( 1 ) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، للرملي : ج 3 ، ص 433 وما بعدها ، وفتح القدير : ج 5 ، ص 218 .